تابع قناة عكاظ على الواتساب
يصنع الزمن غرباله الخاص، فيبقي أعمالاً قليلة ويطوي آلاف الأعمال الأخرى. وتكفي استعادة اسم برنامج مضى على غيابه سنوات طويلة لندرك حجم الأثر الذي تركه، وحجم المكانة التي حجزها في ذاكرة الناس. فالأعمار الحقيقية للبرامج لا تُحسب بعدد حلقاتها، بل بعدد السنوات التي تبقى فيها حاضرة في الوجدان.
أستعيد هذه الفكرة كلما مرّ أمامي اسم (الأرض الطيبة)، ذلك البرنامج الذي خرج من الإذاعة السعودية وظل أكبر من مجرد مادة إعلامية عابرة. فقد نجح في أن يكون ذاكرةً للمكان، وصوتاً للإنسان، وسجلاً يوثق تفاصيل الحياة السعودية وعلاقة الناس بأرضهم وعملهم وقيمهم اليومية.
المثير أن البرنامج ما زال حاضراً في ذاكرتنا رغم تغيُّر الأجيال والوسائل والمنصات. وما ذلك إلا لأن الأعمال الصادقة لا ترتبط بزمن إنتاجها بقدر ارتباطها بعمق فكرتها وقربها من الناس. ولهذا ظل (الأرض الطيبة) شاهداً على مرحلة إعلامية كانت تؤمن ببناء الأثر قبل صناعة الضجيج.
وتقودنا هذه الحقيقة إلى سؤال مشروع: أين البرامج التي تستطيع اليوم أن تعيش العمر نفسه؟ فالمشهد الإعلامي الحالي أكثر ازدحاماً من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على الوصول والانتشار، لكنه أقل قدرة على إنتاج برامج طويلة العمر. برامج كثيرة تحقق أرقاماً مرتفعة، ثم تختفي بمجرد انتهاء موسمها، بينما بقيت برامج محدودة الإمكانات حية في الذاكرة لعقود كاملة.
ومن البرامج التي تنتمي إلى هذه المدرسة أيضاً (ربوع بلادي)، الذي قدم رحلة وطنية فريدة بين مناطق المملكة ومحافظاتها، موثقاً معالمها وتاريخها وتنوعها الثقافي والحضاري. لم يكن برنامجاً سياحياً بالمعنى التقليدي، بل مشروعاً وطنياً أسهم في تعريف السعوديين بوطنهم، وربط المشاهد بجغرافيا بلاده وإنسانها وتراثها.
هنا تتجلى قيمة الإذاعة السعودية على وجه الخصوص. فرغم سطوة التلفزيون آنذاك، استطاعت الإذاعة أن تحافظ على هويتها وأن تنتج برامج بقيت أطول عمراً من كثير من البرامج المرئية. كانت أقل حضوراً في الصورة، لكنها أكثر رسوخاً في الذاكرة.
وحين يُذكر (الأرض الطيبة)، و(ربوع بلادي) اليوم، فإن الحديث لا يكون عن برامج قديمة بقدر ما يكون عن أثرٍ ما زال حياً، وعن إعلامٍ عرف كيف يحوّل المحتوى إلى ذاكرة، والبرنامج إلى جزء من حياة الناس.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
