أعاد عرض فيلم الست على إحدى المنصات، الجدل مرة أخرى حول طبيعة السرد الذي اتبعه صناع الفيلم كونه يكسر المفاهيم المنمقة في تناول أعمال السير الذاتية، خاصة أنه يتعرض لحياة سيدة الغناء العربي أم كلثوم.
من الطبيعي أن يثير الفيلم صدمة الجمهور الذي يعتبر أم كلثوم شخصية أيقونية ونموذج مكتمل المعالم غير قابل للخدش، لكن صناع فيلم الست كسروا هذا الجمود الفني باستخدام مشرط جراح دقيق جداً، وأعادوا شخصية أم كلثوم إلى الواقع كونها إنسانة محملة بالضعف البشري وقابلة للنقد.
الفيلم لم يسع إلى تشويه صورة الست كما أثير حول الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه سعى إلى تحرير مشاعرها الإنسانية، من خلال تناول أحداث مغايرة عن الذي رسمه جمهورها في المخيلة طوال عقود، متجاهلين الثمن الذي كانت تدفعه خلف الكواليس لتصنع كل هذا المجد.
يتوقف الفيلم عند محطات حاسمة من حياة سيدة الغناء العربي، وقد يكون هذا الفيلم هو العمل الفني الأول والأكثر جرأة ووضوح، الذي يعيد تفكيك صورة المثالية المفرطة منذ مراحل نشأتها وحتى صعودها وتتويجها على قمة الهرم الغنائي.
الكتابة عن أم كلثوم بهذه الجرأة هو الانتصار الحقيقي للكاتب أحمد مراد والمخرج مروان حامد، لم يكن الغرض هو إدهاش الجمهور بقدر إظهار كيف تحولت البنت القروية البسيطة إلى مؤسسة فنية واجتماعية تواجه مجتمعا ذكورياً شرسا وكيف نجحت في السيطرة عليه.
يعيد الفيلم تجسيد الوجه الآخر لكواليس إدارة الوسط الفني في تلك الفترة، التي شهدت تغييرات اجتماعية وسياسية معقدة وسريعة، والحروب غير المعلنة التي واجهتها أم كلثوم، سواء داخل الوسط الفني أو خارجه، وكيف كانت تمسك بقبضة من حديد على فرقتها والمتعاونين معها، مما جعلها شخصية أسطورية لم تتكرر بنفس القوة حتى الآن.
يبدأ الفيلم بواقعة حقيقية تعرضت لها أم كلثوم أثناء حفلها في باريس، عندما اقتحم أحد المعجبين المسرح ودفعها حتى سقطت وفقدت الوعي، ويعود الفيلم متجولاً بين كواليس شخصية الست في مراحل عمرية مختلفة، واختيار أحداث بعينها هي الأكثر تأثير على تغيير مسار حياتها سواء كانت قرارات مصيرية اتخذتها في لحظات حاسمة من حياتها غيرت مصيرها للأبد، أو أحداث تعرضت لها مثل رفض العائلة المالكة إرتباطها مع شريف باشا.
ترجمت الفنانة منى زكي هذا الضعف في لحظات المرض والتوتر قبل الصعود للمسرح، وحدة الطباع التي تظهر فجأة في لحظات الخلاف الفني بين أعضاء فرقتها والإحباطات العاطفية التي تعرضت لها، ومشاعر الفزع عندما داهم بيتها أحد اللصوص.
ورغم أن الفنانة منى زكي لا تمتلك الشبه الجسدي مع أم كلثوم، لكنها خطفت انتباه الجمهور بتقمص روح الشخصية محافظة على الأداء الثابت ولغة الجسد ونظرات العين وحركات اليدين التي اشتهرت بها السيدة أم كلثوم، هذا الثبات ساعد في توصيل الإحساس بالمشهد و المعنى الذي يكمن خلفه، بالإضافة إلى الماكياج والملابس كانوا عوامل مساعدة للحفاظ على إيقاع الفيلم الذي يدور في مراحل زمنية مختلفة.
فيلم "الست" ترك لنا الباب مفتوحا لإعادة التفكير في الشكل الفني الذي تقدم به الشخصيات التاريخية التي تركت أثر في المجتمعات العربية، ولكن بعيداً عن التقديس أو الادانة، ووضع هذة الشخصيات وقصص صعودها في مسارها الإنساني الذي صنع خلودها.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
