يعتمد محمد وهبي مع المنتخب المغربي نهجاً تكتيكياً يجمع بين صرامة البنية الدفاعية ومرونة الحلول الهجومية. يرفض وهبي تغيير هوية الفريق بناءً على الخصم، مفضلاً فرض أسلوب ثابت يرتكز على التأمين الخلفي، مع تنويع أدوات الوصول للمرمى بين اللعب التموضعي والارتباطي والتحولات المباشرة. تكمن قوة هذا النموذج في تحرير جودة اللاعبين ضمن منظومة منضبطة، حيث تُعد التبديلات وتغيير الإيقاع وسائل لإطالة عمر الفكرة التكتيكية لا لهدمها، مما يجعل المنتخب فريقاً مرن الأدوات وثابت المبادئ.
محمد وهبي لم يأتِ ليبدأ مشروعًا تكتيكيًا من الصفر. جاء في وقت قصير، ومع مجموعة لاعبين جاهزة أكثر مما هي مصنوعة بيده، وفوق إرث دفاعي سابق لا يمكن هدمه فجأة قبل بناء بديل واضح.
لذلك لا يمكن فهم وهبي فقط كمدرب اختار البراغماتية لأنها ذوقه التكتيكي. براغماتيته نتيجة ظروف : وقت تحضير قصير، جيل جاهز، وذاكرة دفاعية لا يمكن نسفها بضربة واحدة.
من هنا تظهر هويته بشكل أوضح.
محمد وهبي ليس مدرب كرة ارتباطية/علائقية خالصة، ولا مدرب لعب تموضعي عقائدي، ولا مدربًا وظيفيًا جامدًا. الأقرب أنه يقدّم براغماتية بنيوية قريبة من سيموني إنزاغي مع إنتر ميلان : بنية ثابتة تحمي الفريق، وهوية تُفرض ولا تُستعار من الخصم، مع حلول متغيّرة داخل المباراة بحسب ما تفتحه اللحظة، لا بحسب ما يمليه الخوف من المنافس.
وهنا يصبح تصريح يوسف حجي لموقع FIFA مهمًا لأنه يزيل الالتباس ولا يصنعه. حين يقول إن وهبي “يفرض أسلوبه ولا يتكيّف مع الخصم”، فهو لا ينفي مرونة الفريق داخل المباراة، بل يتحدث عن طبقة الهوية: عن البنية التي لا يغيّرها وهبي تبعًا لاسم المنافس.
“الأسلوب” في كلام حجي هو ما نسميه هنا البنية أو الهوية المفروضة ؛ أما التغيّر الذي نقصده فهو تغيّر الحلول داخل هذه الهوية، لا تغيير الهوية نفسها.
وهذا ما ثبّته وهبي نفسه في مؤتمره قبل مباراة هايتي، حين قال إن المغرب لعب بالطريقة نفسها في المباراتين السابقتين. هذه الجملة مهمة لأنها لا تصف شعورًا عامًا، بل تؤكد أن الفريق لم يستعر هوية مختلفة حسب الخصم. أمام البرازيل وأمام إسكتلندا اختلفت ظروف المباراة، لكن الإطار العام لم يتغير.
لذلك يجب التفريق بين نوعين من التكيّف : تكيّف يبدّل هوية الفريق بحسب الخصم، وهذا لا يفعله وهبي ؛ وتكيّف أدقّ يغيّر الحلول داخل الهوية نفسها، وهذا جوهر مرونته. قد يغيّر زاوية الخروج، يبدّل مصدر التقدم، أو ينتقل من تدوير طويل إلى كرة عمودية، لكنه لا يتنازل عن مبدئه الأساسي : أن يفرض إطار المباراة دون أن يفقد أمانه خلف الكرة.
عمود هذه الهوية هو التأمين الخلفي Rest Defense. المغرب غالبًا يحافظ على 3+2 خلف الكرة، ليس كشكل جامد، بل كمنصة أمان لا يفرّط فيها وهبي بسهولة.
وهذه المنصة لا تتشكل دائمًا بالطريقة نفسها. أحيانًا ينضم أحد الظهيرين إلى الداخل ليشكّل ثنائيًا أمام الثلاثي الخلفي، وأحيانًا ينخفض محور طبيعي إلى خط البناء. الأسماء قد تتغير، لكن الفكرة تبقى : أن يكون خلف الهجمة ما يكفي من الحماية.
وجاء مؤتمر محمد وهبي قبل مباراة هايتي ليمنح هذه القراءة شاهدًا مباشرًا من كلامه. حين قال إن اللاعبين، وهم يهاجمون، يجب أن يفكروا في المرتدة، وأن يبقوا قريبين من بعضهم، وأن يعرفوا أين سيكون تمركزهم إذا فُقدت الكرة، كان يشرح جوهر التأمين الخلفي نفسه : الهجمة عنده لا تُقاس فقط بما تخلقه أمام مرمى الخصم، بل بما تتركه خلفها لحظة خسارة الكرة.
لذلك لا تبدو عبارة “البنية ثابتة” وصفًا خارجيًا فقط، بل جزءًا من عقل المدرب نفسه. وهبي لا يريد فريقًا يهاجم ثم يفكر لاحقًا في الحماية ؛ يريد فريقًا يبني الحماية داخل الهجمة. أن تهاجم، عند وهبي، يعني أن تعرف مسبقًا كيف ستدافع إذا انقطعت الكرة.
وهذا ما يفسر تصرفه في مباراة إسكتلندا. هو لا يبدّل الخطة من شوط إلى آخر، ولا يغيّر الفكرة الأساسية للفريق عند أول صعوبة. ما يفعله أدقّ من ذلك : يغيّر المدخلات لا الخطة ؛ يبدّل الأسماء، يضبط الإيقاع، ويرفع أو يخفض الشدة، لكن من أجل حماية البنية نفسها لا هدمها.
لأن أمان الفريق عنده يسبق طريقة الوصول إلى المرمى.
فوق هذه المنصة الدفاعية، تظهر هيكلة هجومية تميل إلى اللعب التموضعي : 3-2-5، شغل للممرات الخمسة، انتشار بعرض الملعب وطوله، وتدوير للكرة من أجل تحريك الخصم.
لكن هذا التدوير ليس تمريرًا من أجل التمرير. المغرب لا يدور حول نفسه فقط، بل يحاول أن يدير الخصم : يجذب الضغط إلى جهة، يفتح المساحة في الجهة الأخرى، يحرّك الكتلة الدفاعية، ثم يبحث عن لحظة الضرب.
هنا يصبح البناء وسيلة لصناعة الأفضلية : فتح زوايا تمرير، خلق مساحات بين الخطوط، تحريك الأظهرة والمحاور والأجنحة، وإرباك رقابة الخصم.
الفكرة ليست أن يقف اللاعبون في أماكن صحيحة فقط، بل أن يتحركوا بطريقة تجعل الوصول إلى المساحة أسهل.
ومع ذلك، طريقة التقدم ليست واحدة. أحيانًا يتقدم المغرب عبر تراكيب ارتباطية قصيرة على الأطراف، وأحيانًا عبر دوران داخلي في الوسط، وأحيانًا عبر تحولات انتقالية عمودية مباشرة في ظهر الدفاع.
وهذه الكرة العمودية ليست خروجًا عن الهيكل الموضعي، بل أحد وجوه الحسم الحاضرة عند وهبي. حين ينجح التدوير في جذب الضغط وكشف المساحة، تصبح العمودية نتيجة طبيعية، لا حلًا عشوائيًا. لكنها ليست الحل الوحيد ؛ هي حل من حلول الوصول إلى المنطقة، لا تعريف وحيد لهجوم محمد وهبي.
لذلك يبدو المغرب معه تارةً تموضعيًا، وتارةً ارتباطيًا، وتارةً وظيفيًا مباشرًا. لكن هذا لا يعني أن الفريق بلا هوية، بل يعني أن هويته ليست مذهبًا فنيًا مغلقًا، بل هوية هجينة.
ولهذا تُخطئ في قراءته التحليلات التي تحبسه في خانة واحدة. بعضها يلتقط الهيكل التموضعي، لكنه يغفل تغيّر الطريق إلى المرمى، ويكاد يسقط الحل العمودي المباشر من الحساب. وبعضها يخلط بين فرض الهوية وغياب المرونة، كأن المدرب لا يكون صاحب أسلوب إلا إذا كرّر الطريق نفسه في كل مباراة.
وهبي لا يكرّر الطريق نفسه إلى المرمى. يفرض هوية ثابتة، لكنه يغيّر الحلول داخلها: مرة بالتدوير، مرة بالربط القصير، ومرة بالعمودية المباشرة.
لذلك لا يبدو المغرب معه تموضعيًا خالصًا، ولا ارتباطيًا خالصًا، ولا مباشرًا فقط ؛ بل فريقًا منضبط البنية ومرن الأدوات.
ومن هنا أيضًا نفهم تصريحاته عن التغييرات والضغط. وكما في إسكتلندا، لا يتعلق الأمر بتغيير الفكرة الأساسية، بل بإدارة القدرة على تنفيذها. حين قال إنه غيّر بعد 60 دقيقة في المباراة الأولى لأن الفريق لم يعد قادرًا على تنفيذ الضغط المطلوب، وإن الهدف هو الوصول إلى 80 دقيقة على الأقل بنفس الشدة، فهو لا يتحدث عن تبديلات عشوائية، بل عن إدارة الزمن البدني للخطة.
التبديل عند محمد وهبي يصبح وسيلة لإطالة عمر الفكرة داخل المباراة : ضخّ طاقة جديدة، ضبط الإيقاع، أو حماية الضغط، لا إعلانًا عن انتقال من هوية إلى أخرى.
قوة هذا النموذج أنه يحرّر جودة اللاعبين دون كسر أمان الفريق. وكلفته أن هاجس التأمين قد يقلّل أحيانًا الحضور داخل مناطق الحسم، فتظهر فجوة بين جودة السيطرة وجودة حسم الهجمات أمام المرمى.
لكن حتى هذه الفجوة لا يقرأها وهبي قراءة سطحية. هو يعترف بوجود فرص ضائعة وبحاجة الفريق إلى التسجيل أكثر، لكنه يرفض الحل السهل : إضافة مهاجمين فقط. بالنسبة له، التهديف لا يبدأ بعدد اللاعبين داخل الصندوق، بل بجودة إدخال الكرة إلى المنطقة.
لذلك فمشكلة المغرب ليست فقط بين السيطرة والتسجيل، بل بين جودة البناء وجودة الحسم الأخير : كيف يصل الفريق إلى منطقة الجزاء، وبأي زاوية، وبأي توقيت، وفي أي ظروف تجعل المهاجم أقرب إلى الحسم.
لهذا فمحمد وهبي ليس مدرب “استحواذ متطرّف” بالمعنى الدعائي، ولا مدرب “دفاع وانتظار” بالمعنى القديم. هو مدرب حلول : يحافظ على الأمان، يحرّر الجودة، ويغيّر الطريق إلى المرمى داخل هوية لا يفرّط فيها.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة محمد وهبي.
هو يمثّل نمطًا نادرًا في الكرة العربية : مدربًا لا تأتي صرامته من تكرار شكل واحد، بل من ثبات البنية التي تحكم الأشكال كلها.
لذلك قد يبدو مرنًا لمن يقرأ السطح : تموضعيًا في لقطة، ارتباطيًا في أخرى، مباشرًا في ثالثة. لكنه في العمق صارم جدًا : لا يفرّط في التأمين Rest Defense، لا يفصل الهجوم عن لحظة فقدان الكرة، ولا يجعل الحلّ الفردي بديلًا عن منظومة الفريق.
وهذه هي مفارقة هويته : مرن في الأسلوب، صارم في البنية.
لا يستعير هويته من أسلوب لعب الخصم، ولا يحبس لاعبيه في طريق واحد إلى المرمى.. مع محمد وهبي، البنية الفنية تُفرض. والحلول التكتيكية تتغيّر.
وهذا بالضبط ما يمنح المنتخب المغربي مرونته الحالية.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة انا الخبر ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من انا الخبر ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
