في تاريخ المسرح المصري كنوز فنية لا تزال تنتظر من يعيد اكتشافها، وأعمال صنعت وجدان أجيال متعاقبة، وأسهمت في ترسيخ مكانة مصر رائدةً للمسرح العربي، وبين صفحات هذا التاريخ الزاخر تختبئ حكايات لعروض خالدة، ونجوم صنعوا المجد فوق الخشبة، وكواليس تكشف كيف تشكلت ملامح الحركة المسرحية المصرية، ومن هنا تأتي هذه السلسلة، "كنوز المسرح المصري"، لتفتح أبواب الذاكرة، وتعيد تقديم تراثنا المسرحي للأجيال الجديدة، باعتباره جزءًا أصيلًا من تاريخ الثقافة والإبداع في مصر.
ومن بين هذه الكنوز تبرز مسرحية "شهداء الغرام"، التي تعد واحدة من أهم محطات المسرح الغنائي العربي، وتمثل اقتباسًا عربيًا للتراجيديا العالمية الخالدة "روميو وجولييت" لوليم شكسبير، وقد أعاد الشاعر والمسرحي نجيب الحداد صياغة النص وتمصيره، ليصبح أكثر قربًا من الجمهور العربي، دون أن يفقد جوهره التراجيدي.
ورغم أن اسم الشيخ سلامة حجازي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه المسرحية، حتى أصبحت واحدة من أشهر أعماله، فإن تاريخ "شهداء الغرام" يبدأ قبل ذلك بسنوات، إذ كانت من أكثر المسرحيات تداولًا على خشبات المسرح المصري في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وقدمت اثنتي عشرة مرة من خلال فرق مختلفة، في ظاهرة تؤكد مكانتها الاستثنائية بين جمهور ذلك العصر.

سلسلة مقالات كنوز مسرحية
وكانت البداية عام 1893، حين قدمتها فرقة سليمان الحداد "الوطني المصري"، عن نص شكسبير الذي قام نجيب الحداد بتمصيره، وأخرجها سليمان الحداد، وقام ببطولتها إلى جانب عمر وصفي ونسيب الحداد، وفي العام نفسه أعادت تقديمها فرقة سليمان القرداحي "التمثيل العربي"، من إخراج وبطولة سليمان القرداحي، بمشاركة علي سويلم وحسن صالح وأحمد أبو العدل.
وفي 1894 قدمتها فرقة ميخائيل جرجس "السرور"، وقام ببطولتها ميخائيل جرجس، ولطيفة عبد الله، وإبراهيم أحمد الإسكندراني، ودرويش مصطفى الإسكندراني، أما في 1896 فقد شهدت المسرحية نشاطًا لافتًا، حيث قدمتها فرقة سليم عطا الله "التمثيل الأدبي"، وقام ببطولتها سليم عطا الله ونظلة مزراحي وأمين عطا الله، كما قدمتها في العام نفسه فرقة بولس القرداحي، وهو ما يعكس حجم الإقبال الذي كانت تحظى به المسرحية في تلك الفترة.
وفي 1903 أعادت فرقة إبراهيم أحمد الإسكندراني تقديمها، وقام ببطولتها إبراهيم الإسكندراني بمشاركة هيلانة وألمظ إستاتي، وجاءت المحطة الأبرز في تاريخ المسرحية عام 1905، عندما قدمتها فرقة الشيخ سلامة حجازي بإخراج سليمان الحداد، ووضع سلامة حجازي موسيقاها، وقام ببطولتها إلى جانب ميليا ديان وأحمد أبو العدل ومريم سماط وصالحة قاصين. وقد حقق العرض نجاحًا جماهيريًا كبيرًا على مسرح "صالة سانتي" بحديقة الأزبكية، وأسهم في ترسيخ مكانة المسرحية باعتبارها واحدة من روائع المسرح الغنائي المصري.

نجوم المسرح المصري
واستمرت رحلة "شهداء الغرام" على خشبات المسرح، فقدمتها عام 1910 جوق شركة التمثيل العربي، وقام ببطولتها سلامة حجازي بمشاركة عزيز عيد وعبد الله عكاشة، ثم قدمتها عام 1911 فرقة أولاد عكاشة "الجوق العربي الجديد"، من بطولة عبد الله عكاشة وزكي عكاشة ومحمود رضا وعلي يوسف.
وفي 1913 أعادت فرقة أحمد الشامي تقديمها، بإخراج وموسيقى أحمد الشامي، الذي شارك أيضًا في بطولتها إلى جانب بديعة مصابني وأحمد زكي وعبد الحميد عزمي.
وكانت آخر محطات المسرحية في تلك المرحلة عام 1920، عندما قدمتها فرقة عطية محمود، بموسيقى عبد العزيز بشندي، وبطولة محمد ناجي، لتختتم بذلك رحلة امتدت قرابة ثلاثة عقود، ظلت خلالها "شهداء الغرام" واحدة من أكثر المسرحيات حضورًا على المسرح المصري.
تتبع تاريخ هذه المسرحية يكشف أن "شهداء الغرام" لم تكن مجرد معالجة عربية لـ"روميو وجولييت"، بل كانت ظاهرة مسرحية حقيقية، تنافست على تقديمها أهم الفرق المصرية، وتعاقب على بطولتها نخبة من كبار رواد المسرح، وأسهمت في ترسيخ تقاليد المسرح الغنائي، وفي تعريف الجمهور المصري بالأدب العالمي في قالب عربي يجمع بين الشعر والتمثيل والغناء.
ولهذا تبقى "شهداء الغرام" واحدة من الكنوز الحقيقية في تاريخ المسرح المصري، ليس فقط لقيمتها الفنية، بل لأنها تمثل شاهدًا حيًا على مرحلة التأسيس، وعلى شغف الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى لمسرح مصري استطاع أن يصنع تاريخه، وأن يظل حاضرًا في ذاكرة الثقافة العربية حتى اليوم.
وهكذا تظل "شهداء الغرام" أكثر من مجرد مسرحية اقتبست عن "روميو وجولييت"، فهي صفحة مضيئة من صفحات المسرح المصري، وشاهد على مرحلة ازدهر فيها الإبداع، وتنافست خلالها الفرق المسرحية على تقديم النصوص الكبرى بروح مصرية خالصة. وبين خشبات المسارح، وتعاقب الأجيال، بقي هذا العمل حيًا في الذاكرة، يؤكد أن الفن الحقيقي لا يعرف زمنًا، وأن الكنوز المسرحية لا تفقد بريقها مهما مرت عليها السنوات.
ولم تتوقف رحلة "شهداء الغرام" عند خشبة المسرح، بل انتقلت إلى الشاشة الفضية، لتؤكد مكانتها كواحدة من أكثر القصص تأثيرًا في تاريخ الفن المصري، ففي عام 1944 تحولت إلى فيلم سينمائي حمل الاسم نفسه "شهداء الغرام"، مستلهمًا التراجيديا الشكسبيرية في إطار تاريخي تدور أحداثه في عصر المماليك، حيث تنشأ قصة حب بين بدر ووفاء، اللذين تربيا في كنف أسرتين متخاصمتين، ليصبح حبهما الأمل الوحيد في إنهاء الصراع بين العائلتين، في معالجة مصرية جديدة لواحدة من أشهر قصص الحب في الأدب العالمي.

الفيلم السينمائي النادر شهداء الغرام
أخرج الفيلم كمال سليم، أحد رواد الواقعية في السينما المصرية، وشاركه محمد عبد الجواد كمخرج مساعد، بينما كتب القصة والسيناريو والحوار بديع خيري، بالتعاون مع كمال سليم، وضم الفيلم نخبة من نجوم الشاشة، في مقدمتهم ليلى مراد، وإبراهيم حمودة، وأنور وجدي، إلى جانب بشارة واكيم، وفؤاد الرشيدي، ولطفي الحكيم، ليؤكد أن الحكاية التي ولدت على خشبة المسرح استطاعت أن تواصل رحلتها بنجاح في عالم السينما.
وهكذا أثبتت "شهداء الغرام" أنها لم تكن مجرد عرض مسرحي ناجح، بل نصًا حيًا تجاوز حدود الخشبة، وانتقل إلى السينما، ليواصل حضوره في ذاكرة الفن المصري، ويؤكد أن الأعمال الخالدة قادرة دائمًا على أن تجد حياة جديدة في كل عصر ووسيط فني.
وإلى لقاءٍ مع كنزٍ جديد من كنوز المسرح المصري.. وفي المقال القادم نفتح صفحات واحدة من أكثر المسرحيات حضورًا في تاريخ المسرح العربي، وهي "شهرزاد"، التي لم تكن مجرد عمل مسرحي ناجح، بل ظاهرة فنية امتدت لعقود، إذ قُدمت اثنتي عشرة مرة من خلال فرق مسرحية مختلفة، وتعاقبت على بطولتها نخبة من عمالقة المسرح، بدءًا من فاطمة رشدي، مرورًا بـعقيلة راتب، ولبلبة، وسلوى خطاب، وكريمة بدير، وغيرهم من النجوم الذين أعاد كل منهم تقديم شخصية شهرزاد برؤيته وأدواته الفنية، في رحلة تكشف كيف استطاع نص واحد أن يعيش ويتجدد مع كل جيل.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
