1
يُفترض التنازل أولاً عن ذاكرتهم مع الخيبة. هذا التنازل ليس تقديراً لواجب الغفران الآن، ولكن لتأجيل أيّ كسر وسّعَ المسافةَ بينهم، أو أيّ خلاف تقصّد لهم البُعدَ عن بيت الأمّ الكُبرى «نايلة» وما تبقى حولها من أولاد لأسباب تتنافى ـ في المقام الأول ـ مع واجب البرّ.
حتماً يلزم أن نُعيد البقاء جوار الأمّ الكُبرى للقدَر الذي حرم تلك البقية ـ حسب اعتقادٍ متفشٍ ـ من أن تكون لهم حياة خاصّة ومستقلّة مثل ما فعل كثيرُ أهلِ البيت. هكذا إيمان هو المتاح حالياً، ذلك أنّ إثارة التفاصيل لا محلّ لها عندما يلمُّ وجعٌ الشملَ بهذا الشكل غير المسبوق.
على الأقل في هذا الوقت القاسي سيُعلن الانتماء لوجهة هذا البيت في اعتراض صريح لأيّ رأي آخر حيال العودة أو الزيارة، ولتأكيد ـ ولو في الواجهة ـ أنّ الأفضل هو الإبقاء على صورة الأهل. ينقصنا طيلة القصّة أن نعرف ما يجعل الموقف على هذا النحو، وهذا يعود للفضول العادي مع علمنا أنّنا لن نجد إيضاحاً يفي بإنهاء فضولنا. التحفّز لمعرفة القليل من ماضٍ يعنيهم سينفع لفهم المسيرة؛ لكن هذا لا يُعيق التقدّم في قراءة ما يجري، على الأقل في هذا الظرف الذي فرض عودتَهم على البيت، وللدقة أرغمهم على الانصياع لتلبية نداء المجيء، وفي قرارتِهم هذا مُؤقت لا يطول. يجري أن يُمنّوا النفسَ بهذا «المُؤقت»، ومن الطبيعي أن يتخلّوا عن شديدِ ارتباطاتِهم التي يدّعون، أو يصدقون فيها، فذلك لا يهمّ.
في واقع الأمر سيصعب عليهم استئناف ألق الأيّام الخوالي، لقلّة دواعي المرح، وأنّ بعضهم استعاد ملامحها، فليس الحنين الخالص هو ما يتطلّبُ تذكّر تلك الأيّام بقدر ما يفرض استعراضها حالة الالتفاف حول الأمّ الكُبرى ــ ذات السبعين عاماً وأكثر ــ وذاكرتها المتماسكة تنضح بما يُثير شجناً أخّاذاً لا يعرفون من أيّ منبت في أعماقها يأتي.
منذ البداية سنرى جسداً له من تهامة سحنة الأرض ومن الوطن الفكرة وعنوان السكن. ونعرف مسبقاً أنّ الطموحات العالية في القرية مرتبطة بحجم الطيبة التي تنالها الفتاة حال تكون أمّاً. لم تكن الأمّ الصغيرة «غصون» أقلّ قدرة في الحصول على هذا الشرف. التحقت بالتعليم، ثم لحادثة لا يُمكن أن تُغادر ذاكرة أخيها «صالح» ستتوقف عن الدراسة في وقت مبكر. مراجعة الخطأ والصواب وتقييم الموقف في هذا الأمر لم يعد في الحسبان، وتَبَقى لهم أن يجدوا ذريعة لمعمار الودّ ألّا يتهاوى بفعل الزمن والاهتمام الرخو طيلة ثلاثين عاماً من الترحّل لكلّ شأن. وحدها الأُمّ الصغيرة «غصون» تُناصر الأم الكُبرى للبقاء وعدم التغرّب.
العائلة تنفرط بحكم الزمن الذي يُقسّمه أفرادها وفق أقدارهم، ولا يُمكن أن تكون للزمن يد واحدة للمصافحة والاطمئنان؛ بل قد وزّعوه على أكثر من جهة ليكبر في أعمارهم بعيداً عن عيون الأُمّين ـ الكُبرى والصغيرة ـ. هكذا بوسعهما ـ نايلة وغصون ـ أن تجدا الزمن طفلاً في القرية، بينما باتجاه الشمال، حيث بقية العائلة، سيكون الزمن أكبر وسيُثقلهما بالمساءلات. التفاصيل التي تعيشانها في القرية أقلّ بكثير من همّ الرحيل وأخفّ على قدرة الأداء؛ لذلك لا تنمو ولا تكبر حاجاتهما؛ فلا تمضي شجرة الدّار نحو الذبول، ولا حائط الدّار يرنو للعلو، ولا حمام الجيران يدنو للتحوّل، ولا تنانير البناية تتوق للانطفاء. هذه الأشياء هي الحياة المقاومة لنزع العمر البكر منهما، وهما على هذه الحال. الأمّ الكُبرى تتقدّم في العمر، بينما الأمّ الصغيرة تُقبل على الستين. ما الذي إذن سيُعجّل بتعب تُشاهدانه في الآخرين من العائلة سوى إن ذَكروا أنّ خيارَ السفر من مستلزمات المرحلة؟.. كيف لهما اتخاذ هذا الخيار وهو الحتم في ظنّهما؟!.. القدر الذي يُحمّلانه مسؤولية الحدث القائم والممضّ على السواء لا تضعانه في الحسبان هنا، فمغادرة القرية أمر يخصّهما ولا يُمكن أن تدعا أمره للعائدين مؤقتاً من الشمال. حتى لا تتناقل سيرتهما ألسن نسوةِ القرية، تقفان بحدّة ضدّ أيّ محاولة لأخذهما في الرفقة خارج ديار الأجداد، وكلّما ثنتا الرغبةَ عند الأولاد في هذا الأمر، أَعادتا لصمودهما الفضل.
في الهزيمة ما يُبررها، أيّاً كانت الخسارة فهناك ما يُمكن تداركه لحفظ ماء الوجه ولو كان الكذب. والانتصار لا يحتاج تبريراً، وهما لا تضطران للكذب، فبقاؤهما خير شاهد على الانتصار. أمّا الآن فالخوف يُدير المعركة. هذه المرة ليس الخوف من الموت ما يُثني قوى الرفض لمحاولات الرحيل ولكنّه الخوف من الألم.
يحتاط الجميع من الحديث صراحة عن مرض «غصون» أمام الأمّ الكُبرى، لكن كلّ تجنيب لها هو مدعاة لشكّ أعمق. المرض المعتاد لا يستدعي عملية جراحية شاقة كما سمعت منهم نقلاً عن الأطباء. هكذا فكّرت وقدّرت أن تصمت كلّما وثّقت من تمحيصها للوضع. يتحدّثون عن أهمّية عدم مخالطة «غصون» لتُوقفَ الأمُّ الكُبرى دعوةَ النساء من الأهل لزيارة المريضة. وهذا الجانب لا يُثنيها كلّ يوم من تكرار أنّ أخواتها يرغبن الاطمئنانَ ـ من قرب ـ على «غصون».. تتحدّث لوحدها عن عددهن وإمكانية استضافتهن. الغرفة الخاصّة بها ستسع الزائرات للمبيت معها. لا تستمع لتحذيراتهم من الزيارات المحتملة. «إن شاء الله ما يصير مكروه». عليهم الاقتناع بهذه «المشيئة المخفية» كما تفعل هي، ومن ثمّ الترحيب بأيّ زائرة. يدعونها تُكرر هذا، وهم على يقين أنّ الجميع لديهم خبر بعدم مناسبة تلبيتهم لأيّ دعوة استجابةً للحالة الصحية التي تمرّ بها «غصون». يقلن ذلك بينهنّ ويردفن بسؤال «لا نعرف هل هذا بأمر الطبيب أم بأمر شخص آخر؟!».
على هذا الحال مع الأمّ الكُبرى، وفي اليوم التالي تطلب من «صالح» أن يُفرّق لها بين فِئتَيْ العملة «10 ريال»، و«100 ريال» لخلطها بينهما في كلّ مرة. تقول إنّ قيمة أربعة أرغفة من الخبز كقيمة تعبئة السيارة بالوقود. يتحدّثون عن ارتفاع سعر «البنزين»، لكنّهم لا يتجادلون في اختلاف تلك الفئتين من عملة الريال، لذلك يستوي عندها السعر طالما ـ عند الحاجة ـ ستسحب عملة لا تعرف مقدارها.
الواقع أنّ نزعةَ السفر إلى الشمال تغرسُ شوكتَها بمقبض المرض؛ إذ يلزم «غصون» أساليب العلاج هناك، وهو ما يسقط في يديْ الأم الكُبرى بحسرة فادحة. بينما يهجس البال بهذا الشقاء غير المتوقع، تكون المسألة محسومة لدى «صالح» والبقية. لا يُمكن أن تتحدّثا عنهم كطارئين على حياتهما ـ رغم صواب الوصف ـ، ولكن عليهما التصبّر، فهذا الخيار المرّ تفرضه قسوةُ الحال القائم. ما ينزع من الأُم الكُبرى سكينةَ القلب أنّ مَنْ يرحل شمالاً بهذا الضرّ تضعفُ أيّامه في الحياة!
حال يعودون إلى أرض المعركة التي تخصّهم، لا يجدون عدواً يُمكن أن يناله ولو سخطهم. لا أحد في المواجهة غير الخوف. ما الأسلحة الجديرة بدحر مثل هذا العدو. تُنمّي الأمُّ الكُبرى مع الحمد الملازم للسان ابنتها «غصون» الرجاءَ الهائل وعيونها نحو السماء.
في خضمِ الألم، ما زال الله ـ لأسباب يعلمها سبحانه ـ يحتفظ عنده بالأمل، بينما من جانبهم عليهم الالتزام بفرض الصبر. هذه الفضيلة، إن سلّموا بها على هذه الصفة، لن تكون حقاً للتمسّك بها.
في هذا الخوض المرّ عليهم الاعتراف بأنّ لعدالة السماء أوجهاً ليس بالضرورة الإحاطة بسرّها المكين. في جميع الأحوال لن يقولوا إنّنا متمسكون بالصبر كحق، على الأقل ليشعروا بقدرتهم على فعل شيء من عدمه. سيان أن يصبروا أو يُقرروا الاستسلام، فهذا الضرّ ضغينة تُبصر انتصارها جيداً. هذه الضغينة اشتهاءٌ مستمر لا ينتهي بخيار النسيان أو بإعمال هُدنة. الموت ليس مشقة تستدعي الاستعداد، بينما وهن الجسد رحلة يُمكن تلافي بعض مصاعبها بتدارك الأسباب التي تجعل من التعب أخفّ تأثيراً. كما تمنح تلك الرحلة الوداعَ عمراً أطول معه يُزهر حبٌّ يغدو شائع الصيت في حكاية المرض.
* سيرة غير مهيأة للحقيقة المطلقة (نحيبٌ ما جوار الحسيني ـ يونيو 2021).
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
