العاب / سعودي جيمر

وهم المحاكاة: لماذا عجزت استوديوهات الألعاب عن تقليد GTA؟

  • 1/6
  • 2/6
  • 3/6
  • 4/6
  • 5/6
  • 6/6

منذ الطفرة الهائلة التي أحدثتها سلسلة Grand Theft Auto أو GTA في عالم ألعاب الفيديو، وتحديداً من عهد GTA: Vice City و San Andreas وصولاً إلى الجزء الخامس الأسطوري GTA V، وصناعة الألعاب تشهد حُمّى مستمرة تُعرف باسم “قاتلة جي تي إي” GTA Killer.

في كل عام، تخرج إلينا استوديوهات ضخمة لتعلن بجرأة وثقة عن مشاريع عالم مفتوح تعد بإزاحة روكستار عن عرشها، بدءاً من المحاولات الواعدة للعبة Watch Dogs التي وعدت بجعلنا نغادر عالم “لوس سانتوس” في غضون شهرين، مروراً بسلسلة Saints Row، ووصولاً إلى ألعاب مثل Just Cause، Mafia III، وحتى مشاريع كبرى مثل Cyberpunk 2077 التي لم تسلم من المقارنة الجائرة رغم اختلاف تصنيفها.

ias

ومع ذلك، تنتهي كل هذه المواجهات بنتيجة واحدة مكررة: فشل ذريع أو نجاح باهت يترك اللعبة المنافسة في طي النسيان، بينما تظل GTA 5 حية وتتصدر المبيعات لأكثر من عقد من الزمن منذ إطلاقها عام 2013. فما هو السر الخفي الذي تمتلكه روكستار وتفتقر إليه بقية الاستوديوهات؟ ولماذا تفشل كل محاولات الاستنساخ؟

GTA

أولاً: أزمة المطور: فخ “الحجم” وإهمال “التفاصيل الحية”

تكمن الخطيئة الكبرى لمعظم المطورين الذين حاولوا محاكاة وتقليد GTA في فهمهم القاصر لمعنى “العالم المفتوح”. بالنسبة لغالبية الاستوديوهات، فإن تقديم لعبة عالم مفتوح يعادل صيغة رياضية بسيطة: (خريطة ضخمة + + ترسانة أسلحة = منافس قوي لـ GTA).

هذا الاختزال هو السبب الأول للفشل؛ إذ تستخدم هذه الشركات العوالم المفتوحة كأداة تسويقية براقة لزيادة المبيعات فقط. فتجد المطور يقدم لك مدينة هائلة المساحة من الناحية الجغرافية، لكنها “خاوية على عروشها”، وتتحول الخريطة مجرد خلفية ميتة أو طريق طويل وممل يقطع اللاعب فيه مسافات شاسعة فقط من أجل الوصول من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) لبدء مهمة خطية.

على النقيض تماماً، روكستار لا تصمم مجرد “مساحات”، بل تصمم “أنظمة محاكاة متكاملة وديناميكية” (Simulation). عالم GTA يتحرك ويعيش بشكل مستقل تماماً عن وجود اللاعب؛ فالشخصيات الجانبية (NPCs) ليست مجرد دُمى تسير بلا هدف، بل يمتلكون ذكاءً اصطناعياً معقداً وردود أفعال فريدة. إن كنت تقود سيارة فاخرة ونادرة في GTA V، ستلاحظ أن المشاة يخرجون هواتفهم لالتقاط الصور لها. وإذا افتعلت شجاراً، ستجد الشرطة تتصرف بديناميكية وتطارد المجرمين الآخرين في الشوارع بحوادث عشوائية دون تَدخُّل منك. هذا الضمير الإبداعي والفيزيائية المعقدة يمنحان اللاعب شعوراً حقيقياً بالانغماس والحرية التي تفتقدها ألعاب مثل Just Cause أو Far Cry التي تكرر صيغتها من الجزء الثالث إلى السادس دون أي تغيير حقيقي في جوهر العالم المفتوح.

وفوق كل هذا شكل عوالم جي تي ايه لا تتكرر فكل جزء يمتاز بعالمه الخاص فعالم GTA 4 السوداوي يختلف عن عالم GTA 5، وعالم فايس سيتي المليء بأضواء النيون لا يشبه أبداً عالم لوس سانتوس. بينما ألعاب العالم المفتوح الأخرى نجد أنها أحياناً تنسخ وتلصق عوالم أجزائها سواء بالتضاريس أو التوجه الفني أو الألوان لذا قد نجد بأننا نعيش بنفس العالم مع وجود رقم مختلف باسم اللعبة من جزء للآخر.

GTA 4

ثانياً: عبقرية التطور والابتكار التاريخي (نموذج San Andreas و GTA 4)

الميزة التنافسية لروكستار هي أنها لا تعيد تدوير ألعابها؛ بل تعيد تعريف الصناعة بأكملها مع كل إصدار جديد. لنأخذ لعبة GTA: San Andreas الصادرة عام 2004 كمثال؛ هذه اللعبة التي صدرت على أجهزة محدودة القدرات بمقاييس اليوم (PS2)، قدمت آليات ميكانيكية عجزت استوديوهات الجيل الحالي عن تقديمها بكفاءة. لقد سمحت للاعب ببناء عضلات الشخصية عبر التمرين، أو زيادة وزنه إذا أفرط في تناول الطعام، والرشاقة عبر الركض. كما احتوت على أنشطة جانبية لا حصر لها، مثل العمل كسائق تاكسي، إطفاء الحرائق، ركن سيارات الزبائن، شراء العقارات والمحلات لجني الأرباح، وتعديل السيارات بالكامل.

أما في GTA IV، فقد أخذت Rockstar Games المخاطرة إلى مستوى مغاير تماماً؛ قدمت وجهاً سوداوياً ومظلماً للمدينة وقصة درامية بائسة تجسد انكسار من خلال البطل “نيكو بيليك”. لكن الإنجاز الأكبر كان ثورة الفيزياء (Physics)؛ حيث كان للسيارات وزن حقيقي، وحركة الشخصيات وتفاعلها مع الإصطدامات وإطلاق النار على الأطراف تحاكي الواقع بشكل مرعب، لدرجة أن فيزيائية GTA IV الصادرة عام 2008 ما زالت تتفوق على 90% من ألعاب الجيل الحالي. هذا التنوع والهوية الفريدة لكل جزء يضمن للاعب ألا يشعر بالتكرار أبداً بين إصدارات السلسلة المختلفة.

ثالثاً: ما بعد القصة: الاقتصاد، المحتوى الفرعي، والمودات

في معظم ألعاب العالم المفتوح المنافسة، بمجرد أن تنتهي من المهمة الرئيسية وتظهر شارة ، تموت اللعبة، ويقوم اللاعب بحذفها لعدم وجود ما يفعله. في عالم GTA، إنتهاء القصة هو مجرد بداية لرحلة أخرى.

وضعت روكستار تفاصيل اقتصادية عميقة تُبقي اللاعب مستيقظاً ومنغمساً؛ في GTA V على سبيل المثال، تم تقديم نظام بورصة وتداول أسهم متكامل عبر الإنترنت الافتراضي داخل اللعبة. ولم يكن هذا النظام معزولاً، بل يتأثر مباشرة بأفعال اللاعب في العالم؛ فإذا قمت بمهمة تخريبية ضد شركة سيارات معينة، ستنخفض أسهمها فوراً في البورصة، بينما ترتفع أسهم الشركة المنافسة لها، مما يتيح للاعب الذكي استغلال هذه الأحداث لشراء الأسهم وبيعها ومضاعفة ثروته.

أضف إلى ذلك، طور الأونلاين (GTA Online) الذي تحول إلى ظاهرة ثقافية قائمة بذاتها تُدِرُّ مليارات الدولارات ومستمرة بالدعم حتى اليوم، بجانب مجتمع “المودات” (Mods) الضخم على الحاسب الشخصي، والذي يعيد تشكيل اللعبة بالكامل ويغير من طبيعتها ويمنحها عمراً افتراضياً لا ينتهي.

GTA Online

رابعاً: أزمة اللاعب والمقارنات الظالمة التي تقتل الإبداع

لا يقع اللوم في هذا الفشل على المطورين والناشرين فحسب، بل يمتد ليشمل مجتمع اللاعبين والنقاد أيضاً. لقد تحولت GTA إلى “مقياس مطلق ومقدس” يُحكم من خلاله بالإعدام على أي لعبة عالم مفتوح تقدم طابعاً إجرامياً أو واقعياً، حتى وإن كانت تلك اللعبة لا تنوي منافسة GTA من الأساس وتريد السير في طريقها الخاص.

هذه المقارنات الفورية والظالمة دمرت مشاريع ممتازة في تاريخ الصناعة؛ ولعل أبرز ضحايا هذا الفخ هي لعبة Sleeping Dogs التي قدمت تجربة قتال شوارع مذهلة وأجواء فريدة في هونغ كونغ، إلا أن النقاد واللاعبين حاصروها بمقارنات غير عادلة مع جي تي إي، مما أدى لضعف مبيعاتها وإغلاق فريق التطوير وإلغاء الجزء الثاني.

وتكرر الأمر ذاته مع ألعاب مثل Cyberpunk 2077 التي عوقبت جماهيرياً لأن تفاعل الشرطة والمشاة فيها لم يكن بمستوى محاكاة روكستار، رغم أنها لعبة تقمص أدوار (RPG) خيال علمي وليست لعبة محاكاة سرقة سيارات. هذا الضغط الجماهيري الرهيب بات يُرعب الناشرين ويجعلهم يتجنبون المخاطرة بإنتاج عوالم مفتوحة جديدة خوفاً من المقارنة الحتمية والفشل المسبق.

GTA 6

في النهاية، يمكننا القول إن استوديوهات الألعاب فشلت في تقليد GTA لأنها حاولت محاكاة “المظهر الخارجي” ونسيت “الروح الداخلية”. روكستار لا تصنع لعبة ، بل تصنع عالماً ومجتمعاً افتراضياً نابضاً بالحياة، يحترم ذكاء اللاعب، ويمنحه حرية غير مشروطة ضمن تفاصيل دقيقة كُتبت وطُوّرت على مدار سنوات طويلة من الصبر وبميزانيات مرعبة وضخمة تفوق قدرة أي استوديو آخر.

وطالما ظل المطورون يركزون على زيادة حجم الخريطة وعدد البكسلات (Graphics) بدلاً من التركيز على عمق المحتوى، وتفاعل الذكاء الاصطناعي، والفيزيائية الحية، فستظل سلسلة GTA تحلق وحيدة في فضاء الصناعة، وستظل الألعاب الأخرى مجرد محاولات باهتة تطارد ظلاً لن تلحق به أبداً.

كاتب

أعشق ألعاب الفيديو منذ أيام جهاز العائلة، و أفضل ألعاب المغامرات أمثال Tomb Raider و Assassins Creed (قبل التحول للـRPG)، ليس لدي تحيز لأي جهاز منزلي بالنسبة لي الأفضل هو الذي يقدم الألعاب الأكثر تميزاً. ما يهمني هو التجارب ذات السرد القصصي المشوق فالقصة هي أساس المتعة أكثر من الجيمبلاي.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة سعودي جيمر ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من سعودي جيمر ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا