يفرق المقال بين القرارات التحكيمية القطعية التي لا تقبل الجدل، والحالات التقديرية التي تفتح باب التأويل، موضحاً أن اللجوء لادعاء المظلومية في الحالات التقديرية غالباً ما يكون وسيلة نفسية للهروب من مواجهة الإخفاق الفني أو الانهيار في اللحظات الحاسمة. إن تحويل القرارات القاسية إلى فضائح تحكيمية يخدم صناعة الضجيج الإعلامي بدلاً من البحث عن الحقيقة، حيث يجد الجمهور في "نظرية المؤامرة" عزاءً أسهل من تقبل مرارة ضياع الحلم نتيجة أخطاء ذاتية في إدارة المباراة.
القرارت التحكيمية نوعان.. زمن لم يميّز بينهما، سيعيش كل خسارةٍ على أنها ظلم وفضيحة. وهي ليست كذلك.
◀️- النوع الأول: حالات قطعية.
واقائع مستقلة عن رأي الحكم.
- تسلل مؤكد (مع التسلل شبه الآلي صار هذا شبه مطلق، إلا في بعض حالات التسلل حين يتعلق الأمر بتقدير مشاركة لاعب أو تداخله في اللعبة).
- كرة عبرت الخط أو لم تعبر.
- موضع مخالفة داخل المنطقة أو خارجها.
- لاعب أُنذر أو طُرد بالخطأ بدل لاعب آخر. (خطأ هوية).
هذه حالات قطعية توجد حقيقة قابلة للإثبات ومستقلة عن رأي الحكم: حدث أو لم يحدث.
ولذلك تُحسم في ثلاثين ثانية.. مقطع واحد يكفي لحسمها.
◀️- النوع الثاني: حالات تقديرية.
فيه واقعة، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج حكم حاسم بخصوصها.
- مسك خفيف.
- احتكاك بالقدم.
- التحام عند الحد.
- سقوط داخل المنطقة.
- لمس يد يحتاج قراءة.
الفعل حصل، نعم.
لذلك السؤال هنا ليس هل حدث تماس؟
بل هل هذا التماس مؤثر؟
هل يكفي لركلة جزاء؟
هل المسك يمنع الحركة؟
هل الدهس متعمد أو مهمل أو طبيعي في سياق اللعب؟
هل الالتحام مخالفة أم صراع مشروع؟
هنا لا نكون أمام حقيقة تُغلق الجدل، بل أمام قراءة تقديرية تُرجَّح.
وحالات مصر أمام الأرجنتين كانت من هذا النوع : قاسية، مؤلمة، قابلة للنقاش، لكنها ليست من نوع الخطأ القطعي الذي يُغلقه مقطع واحد لأنها كلها تقديرية. و قد يكون الحكم مصيبا في كل تقديراته.
ولأنها حالات تقديرية فذلك ما يجعلها وقودًا مثاليًا لصناعة المظلومية والشو الإعلامي….
فالحالات التحكيمية القطعية تُغلَق فتموت فورا : صحيح أم خطأ.
أما التقديرية فلا تُغلَق بسهولة ؛ تبقى فيها دائمًا بقية من : “كان يمكن أن تُقرأ بالعكس”.
وتلك البقية هي كل ما تحتاجه ماكينة الشكوى.
هنا يدخل الاستوديو ومنصات التواصل..
الاستوديو في مثل هذه الليالي ليس جهاز تفسير، بل جهاز تصريف للانفعالات.
حين تتقدم بهدفين ثم تخسر 3-2 في آخر عشر دقائق، يتولد فائض عاطفي لا يُحتمَل.
الحقيقة الكروية الباردة موجعة : لم نحتمل التقدم، اهتزت البنية تحت الضغط، وفشلنا في إغلاق مباراة كانت في المتناول.
هذه الحقيقة قاسية على الصورة الجماعية.
لذلك يأتي الطريق الأسهل : نقل السبب من “نحن” إلى “هم”.
لا نكون نحن من انهار من 2-0.
بل نكون ” نحن” من سُرق.
لا تصبح المشكلة في إدارة الدقائق الأخيرة.
بل في الحكم، والفيفا، وميسي، والأرجنتين.
وهنا يسقط الادعاء كله.
لو كانت الشكوى بحثًا عن حقيقة، لعلا صوتها عند الخطأ الفاضح، وخفت عند الحالة الغامضة.
لكن المشهد معكوس: كلما غمضت الحالة وكانت تقديرية، علا الصياح أكثر.
وهذا يكشف أن الضجيج لا يعيش على وضوح الخطأ، بل على غموضه.
لا توجد لقطة واحدة من مباراة أمس تُغلق الجدل كما تُغلقه تقنية خط المرمى مثلا.
لا توجد.
ما حدث لمصر كان قاسيًا.
لكن القسوة ليست فضيحة.
والحالة التقديرية لا تصبح سرقة فقط لأنها جاءت في لحظة قاتلة.
أحيانًا لا تكون المظلومية بحثًا عن الحقيقة، بل طريقة أقل إيلامًا لتوديع حلمٍ ضاع في آخر عشر دقائق.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة انا الخبر ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من انا الخبر ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
