لكل مرحلة من مراحل بناء الأمم سؤالها الكبير. وحين تتغير المرحلة، تتغير الأسئلة. ففي بدايات التحول كان السؤال المشروع: كيف نستفيد من أفضل التجارب التعليمية في العالم؟
أما اليوم، وبعد أن بلغت المملكة مستوى متقدمًا من النضج المؤسسي، واستثمرت في جامعاتها، وهيئاتها الوطنية، ومراكزها البحثية، وراكمت خبرات وطنية، فقد أصبح السؤال مختلفًا: متى ننتقل من استيراد المرجعيات إلى إنتاجها؟ فهذا هو التحول الذي يميز المنظومات الناضجة؛ إذ لا تكتفي بالتعلم من الآخرين، بل تعيد إنتاج المعرفة بما يلائم سياقها، ثم تسهم في تطويرها.
ولعل التطوير المهني التعليمي هو الميدان الأكثر ملاءمة لاختبار هذا التحول؛ فهو نقطة الالتقاء التي تجتمع عندها الجامعات، وهيئة تقويم التعليم والتدريب، والسياسات التعليمية، والمدرسة والمعلم.
ومن ثم فإن بناء مرجعية وطنية في هذا المجال لا يعني تطوير برامج التنمية المهنية فحسب، بل تأسيس نموذج سعودي لإنتاج المعرفة المهنية، تكون الشراكات إحدى أدواته، لا ما يحدد اتجاهه.
ومع ذلك، يثير المشهد الحالي سؤالًا مشروعًا. فالخطاب المؤسسي يتحدث عن منظومة وطنية موحدة للتطوير المهني التعليمي، بينما تبدو بعض مسارات إعداد المعلم قبل الخدمة، وتطويره أثناء الخدمة، وإعداد القيادات المدرسية، مستندة إلى مرجعيات متعددة.
وليس موضع النقاش جودة هذه التجارب؛ فهي نماذج تعليمية رائدة حققت نجاحها في سياقاتها. وإنما السؤال: كيف تتحول هذه الخبرات المتنوعة إلى إطار مهني واحد يعبر عن التعليم السعودي، بدلًا من أن تبقى مسارات متجاورة؟
إن الدول التي أصبحت اليوم مرجعًا عالميًا في التعليم لم تبلغ مكانتها لأنها جمعت أكبر عدد من الشراكات، وإنما لأنها امتلكت أولًا مشروعًا وطنيًا واضحًا، ثم جعلت كل شراكة تعمل في خدمته.
فالمرجعية الوطنية هي التي تقود الشراكات، لا العكس. وعندما يختل هذا الترتيب، يصبح خطر تباين الفلسفات المهنية أكبر من الفائدة المتوقعة من تنوع الشراكات.
ويقود ذلك إلى سؤال جوهري يتعلق بطبيعة المؤسسة الوطنية المعنية: من يصوغ الإطار المهني الذي تنتظم داخله هذه المسارات؟ والإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد القيمة الإستراتيجية للمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي. فالمعهد لا تُقاس أهميته بعدد المبادرات التي يديرها، ولا بعدد الاتفاقيات التي يبرمها، وإنما بقدرته على بناء نسق مهني وطني يربط إعداد المعلم، والتطوير المهني التعليمي، والقيادة المدرسية، والترخيص المهني، والتقويم داخل رؤية واحدة تنطلق من احتياجات التعليم السعودي وتطلعاته.
ولأن بناء هذا الإطار مسؤولية وطنية، فإنه لا يكتمل إلا بحوكمة دقيقة تميز بين من يصوغ التوجهات، ومن يتولى التنفيذ، ومن يقيس النتائج. فاختلاط هذه الوظائف يضعف المساءلة مهما بلغت جودة التنفيذ.
وفي هذا السياق، يمثل وجود شركة تطوير باعتبارها ذراعًا تنفيذية لإدارة البرامج والشراكات ممارسة تنظيمية طبيعية، ما دامت لا تحل محل الجهة التي تبني الإطار الوطني أو الجهة التي تقيس أثره. كما يضطلع مجلس أمناء المعهد بحماية الاتجاه الإستراتيجي، ومراجعة اتساق المبادرات، وضمان بقائها في خدمة المشروع الوطني، لا أن تتحول إلى مسارات مستقلة عنه.
غير أن الحوكمة لا تكتمل بمجرد توزيع الأدوار، بل بقياس القيمة التي تحققها هذه الشراكات. وهنا يبرز سؤال يغيب عن كثير من النقاشات، على الرغم من أنه يمس جوهر كفاءة الإنفاق: من يقيس الجدوى الاقتصادية لهذه الشراكات؟
فكل اتفاقية تمثل استثمارًا ماليًا وبشريًا وزمنيًا، ولا يكفي للحكم عليها أن تكون قد نُفذت وفق الخطة، أو أن تختتم بتقرير يعلن نجاحها. فالمعيار الحقيقي لا يبدأ إلا بعد انتهاء التنفيذ.
من يقيس العائد على الاستثمار؟ ومن يقارن بين البدائل المتاحة؟ ومن يتحقق من أن ما تحقق في المدرسة يوازي حجم ما أُنفق؟ وهل تتولى جهة مستقلة هذا القياس، أم أن الجهة التي تدير الشراكات والبرامج هي نفسها التي تقيس نجاحها؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في قيمة الشراكات، وإنما ترسخ مبدأً مؤسسيًا أصيلًا، وهو أن الإنفاق العام لا تُقاس كفاءته بحجم النشاط، وإنما بالقيمة التي يضيفها، والقدرات الوطنية التي يبنيها، والأثر المستدام الذي يتركه بعد انتهاء البرنامج.
ولا تُبنى المرجعيات الوطنية باستيراد الخبرات أو تجميعها، وإنما بإنتاج المعرفة المهنية انطلاقًا من الواقع الوطني.
وتوفر نتائج الرخص المهنية، والاختبارات الوطنية والدولية، والتقويم المدرسي، بما تختزنه من بيانات ومؤشرات متراكمة، قاعدةً معرفية وطنية غير مسبوقة، ينبغي أن تكون منطلقًا لصياغة المرجعيات المهنية، لا مجرد أداة لقياس الأداء.
وعندها تصبح الشراكات الدولية وسيلةً لإثراء المرجعية السعودية، لا مصدرًا لها، وتتحول الخبرة الوطنية من معرفة متفرقة في الأفراد إلى رأس مال معرفي مؤسسي يتراكم ويقود التطوير.
وتبقى المدرسة الميدان الذي تُختبر فيه جميع هذه السياسات. ففيها تلتقي مخرجات إعداد المعلم، والتطوير المهني التعليمي، والقيادة المدرسية، والتقويم، في الممارسات التعليمية اليومية.
ولا يستقيم أن يُعد المعلم وفق مرجعية، ويُطور وفق مرجعية أخرى، وتُدار مدرسته وفق تصور مختلف، ثم يُطلب منه أن يحقق نتائج أفضل.
فالمعلم ليس حقلًا لتجريب المرجعيات، بل نقطة الالتقاء التي ينبغي أن تتوحد عندها جميع السياسات، لأن اتساقها هو الشرط الأول لاتساق الممارسة التعليمية.
لقد بلغت المملكة مرحلة تؤهلها للانتقال من الاستفادة من الخبرات العالمية إلى بناء خبرتها الوطنية في التطوير المهني التعليمي. ولم يعد التحدي في استقطاب شريك دولي جديد، بل في امتلاك القدرة المؤسسية على قيادة الشراكات، وتوجيهها داخل إطار وطني واضح، وتحويلها إلى معرفة مؤسسية متراكمة داخل المنظومة، تبقى بعد انتهاء البرامج والعقود.
فالأمم لا تصنع مكانتها بما تستورده من المرجعيات، بل بما تنتجه من معرفة لتصبح مرجعًا لغيرها.
وقد آن الأوان أن ينتقل التطوير المهني التعليمي في المملكة من استيراد المرجعيات إلى إنتاجها، ومن إدارة البرامج إلى بناء الأطر الوطنية، ومن قياس النشاط إلى قياس الأثر.
فهذه ليست مجرد مرحلة جديدة في تطوير التعليم، بل مرحلة جديدة في بناء المعرفة الوطنية، لتصبح المرجعية السعودية إضافةً أصيلة إلى المعرفة التربوية العالمية، لا نسخةً منها.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
