اقتصاد / ارقام

دروس التاريخ .. كيف يُفرض على المستثمرين الاستسلام في سوق الأسهم؟

  • 1/5
  • 2/5
  • 3/5
  • 4/5
  • 5/5

قبل أن تعبر الدبابات الألمانية نهر الميز في مايو 1940، كانت فرنسا قد خاضت المعركة الأخطر بالفعل، معركة الوعي، إذ لم يكن سقوط باريس تفوق عسكري صرف، بقدر ما كان حصيلة حرب نفسية ممنهجة بدأت قبل الغزو بفترة طويلة.

 

 

فعلى امتداد ثلاثينيات القرن الماضي، عملت ألمانيا النازية على بناء صورة أسطورية لقوتها العسكرية، ونجحت في ترسيخ قناعة جماعية لدى الفرنسيين بأن الهزيمة حتمية، وأن مقاومة آلة الحرب الألمانية ليست سوى إطالة غير مجدية للألم.

 

أُعيد تسليح البلاد بوتيرة مذهلة، وجرى الترويج لعقيدة "الحرب الخاطفة" (Blitzkrieg) كقوة لا تُرد، فيما صُوّرت القوات الجوية الألمانية باعتبارها ذراعًا ساحقة لا تقف أمامها تحصينات أو جيوش.

 

وتسربت هذه الرواية إلى الصحف الأوروبية كالعدوى، ما خلق انطباعًا واسعًا بأن المواجهة غير متكافئة منذ البداية. بالتوازي، شنت برلين حربًا إذاعية نشطة استهدفت الداخل الفرنسي برسائل متكررة عن فساد الحكومة، وضعف القيادة العسكرية، وعجز البرلمان عن حماية البلاد.

 

وعلى الأرض، غذّت شبكة واسعة من العملاء والجواسيس سيلًا من الشائعات، مثل قرب سقوط باريس، وهشاشة خط "ماجينو"، كما استخدمت القوات الألمانية مكبرات الصوت لبث رسائل مباشرة محبطة للجنود الفرنسيين على الخطوط الأمامية.

 

وهكذا، عندما بدأ الهجوم الألماني في 10 مايو 1940، لم يكن الجيش الفرنسي يواجه خصمًا متفوقًا عسكريًا فحسب، بل كان يدخل المعركة وهو منهك نفسيًا: قيادة مرتبكة، رأي عام فاقد للثقة، وجنود يسمعون منذ شهور أن بلادهم هُزمت قبل أن تبدأ الحرب.

 

وبالتالي فإن الهزيمة العسكرية المحققة، في هذا السياق، لم تكن سوى تتويج لهزيمة نفسية سبقتها. هذه التجربة التاريخية تطرح سؤالًا يتجاوز ساحات الحرب إلى ميادين أخرى لا تقل شراسة: هل يمكن أن تُهزم الجموع نفسيًا قبل أن تُهزم فعليًا؟

 

 

في الأسواق المالية، حيث لا تُطلق الرصاصات، بل تُستنزف الثقة، ويُعاد تسعير الأصول، وتُصنع القناعات، يعاد نسج مثل هذه التجربة المريرة بشكل متكرر.. لكن كيف يحدث ذلك؟ ولماذا تدفع بعض ديناميكيات الأسواق المستثمرين إلى "الرضا بالخسارة"؟

 

كيف تعاد تهيئة الأسواق نفسيًا؟

 

- غالبًا ما يُؤثر المعلقون الماليون وصناع السياسات والمستثمرون الكبار على توقعات الأسواق (أحيانًا دون قصد)، ويُهيئونها لتوقع المزيد من الانخفاضات أو لتقبل "الوضع الطبيعي الجديد".

 

- بالنسبة لمستثمري الأسواق المتقدمة فإن العديد منهم ما زالوا يحتفظون بسيولة نقدية بعد أزمة 2008 لأنهم يعانون من الصدمة ويُقنعون أنفسهم بأن الأصول غير آمنة، ووفقًا لبعض التقديرات فإن 58% من الكاش مجمد في أصول "لا تحقق عائدًا".

 

- يشير مكتب البحوث المالية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية إلى أنه عندما تستخدم المقالات الإخبارية بشكل متكرر روايات "الانهيار"، ترتفع مخاوف المستثمرين من الانهيار، ويميل تقلب السوق إلى الارتفاع في اليوم التالي.

 

- هذه الأدلة تظهر أن صياغة الروايات في الصحافة، ومنصات التواصل الاجتماعي، وعبر المؤثرين، قد تُهيئ المستثمرين للشعور بالحتمية أو العجز، فمثلًا يمكن للسردية المباشرة (مثل تصريحات المسؤولين، والمواضيع السائدة في وسائل الإعلام المالية) أن تشكل التوقعات، وأحيانًا تسبب ردود فعل حادة.

 

- أيضًا تتسبب آليات السوق الهيكلية (مثل طلبات الهامش، وأوامر وقف الخسارة) في حلقة تغذية عكسية ذاتية التحقق، بمعنى أنه يمكن أن يؤدي البيع الهلعي أو خفض الرافعة المالية إلى تضخيم الحركات في السوق وتغذية الذعر.

 

- المقلق هنا أن حلقات التغذية العكسية السلوكية قد تنشأ دون قصد من أي طرف، فبمجرد أن تبدأ موجة البيع، تسود "سيكولوجية القطيع"، وغالبًا ما يهيمن النفور من الخسارة وتنشط "غريزة البقاء".

 

 

ماذا حدث في وألمانيا؟

 

- عادةً ما يسبق كل قاع رئيسي سردٌ هبوطي واسع الانتشار وتحيزٌ متطرف، مما يوقع المستثمرين نفسيًا في دوامة من الاستسلام.

 

- في التسعينيات (بعد انفجار فقاعة الثمانينيات) عانت اليابان من "عقد ضائع" هيمن فيه الركود، مما أثّر سلبًا على جيل كامل من المستثمرين، ولا يزال العديد من اليابانيين يرفضون الاستثمار في الأسهم، بعدما ظلت عوائدها ثابتة تقريبًا على مدى 30 عامًا.

 

- في الواقع، إن كل دولار استثمر في الأسهم اليابانية بين عامي 1990 و2023 نما إلى 1.32 دولار فقط، أي أن تكلفة الفرصة البديلة كانت باهظة على مدار عقود. وللمقارنة، ارتفع الدولار المستثمر بالأسهم الأمريكية إلى 23 دولارًا خلال نفس الفترة.

 

- ساد التركيز على الركود الاقتصادي والنفور الدائم من المخاطرة في اليابان، ولسنوات، احتفظ معظم المدخرين بأموالهم حتى مع انتعاش الأسواق العالمية، ولم يبدأ هذا التوجه بالتغير إلا في العقد الثاني من الألفية، لكن إرث تلك الخسائر ظلّ يُشكّل عائقًا قويًا.

 

- أما في ألمانيا، تسبب التضخم المفرط خلال أوائل عشرينيات القرن الماضي، والدمار الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، بانعدام ثقة عميق في العملة الورقية والأسهم، وظل الألمان يتجنبون الاستثمار في الأسهم، وينظرون إليها باعتبارها "صالة قمار".

 

- خلصت ورقة بحثية للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية،  نُشرت عام 2009، إلى أن حتى التجارب التي مضى عليها عقود يمكن أن تؤثر على استعداد الأسر الأكبر سناً لتحمل المخاطر.

 

- على مدار عقود، لم تتجاوز ملكية الأسهم في ألمانيا جزءًا ضئيلاً من مثيلتها في الدول المتقدمة الأخرى، وهيمن النقد والسندات على محافظ الأسر.

 

- حاليًا، تستثمر الأسر الألمانية 20% من أصولها المالية في الأسهم مقارنة بـ 42% للأمريكيين، كما يحتفظ الألمان بـ 37% من أصولهم في حسابات توفير مصرفية وذلك أربعة أمثال ما تحتفظ به الأسر الأمريكية.

 

 

ماذا عن صدمة الكساد الكبير؟

 

- في الولايات المتحدة خلال فترة الكساد الكبير، وعلى الرغم من أن انهيار عام 1929 معروف جيدًا، إلا أن تداعياته النفسية لم تحظَ بالنقاش الكافي في أدبيات الاستثمار الحديثة.

 

- بحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، فقد العديد من الأمريكيين ثقتهم في الأسهم، ويأس مستثمرو تلك الحقبة من السوق، واستمر هذا الشعور خلال الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى انخفاض التقييمات على مدار سنوات بعد الانهيار.

 

- لم يتمكن مؤشر "إس آند بي 500" من محو تلك الخسائر إلا مع النمو القوي الذي أعقب الحرب، فيما خلّف الكساد سردية متوارثة عبر الأجيال مفادها أن الاستثمار في الأسهم محفوف بالخطر الشديد، وهو موقف لم يتغير إلا تدريجيًا على مدى العقود اللاحقة.

 

- تُظهر كل حالة من هذه الحالات كيف يمكن للسرديات القوية أن تُعزز نفسها بنفسها في الأسواق الرئيسية، ففي اليابان وأمريكا ما بعد الكساد، دفعت الخسائر الفادحة السكان إلى الاستسلام للركود المطوّل باعتباره النتيجة الحتمية، وبالتالي باعوا أصولهم عند أدنى مستويات تاريخية.

 

- على أي حال، ليس من الواضح متى أو لماذا يتغير مسار الأحداث في نهاية المطاف، ويؤكد المحللون أنه لا يمكن عزو هذه التوجهات إلى سببٍ واحد، إذ تلعب عوامل عديدة (كالسياسات، والتركيبة السكانية، والسيولة العالمية) دورًا فيها.

 

- لكن تشير الأدلة إلى أنه بمجرد أن يترسخ مسارٌ متطرف في الأسواق، فإنه قد يُبقي المستثمرين الأقل جرأةً على الحياد، ويخلق فرصًا استثمارية للمستثمرين الصبورين.

 

هل يخسر الجميع؟

 

- عندما ينسحب العديد من المستثمرين أصحاب رؤوس الأموال المحدودة أو قصيري الأفق من السوق، غالبًا ما يتمكن المستثمرون الآخرون ذوو الموارد المالية الأكبر والذين يستهدفون فرصًا طويلة الأجل من اقتناص الأصول بأسعار مخفضة.

 

- أظهر تقرير صدر في نوفمبر حول تدفقات صناديق الاستثمار أن المؤسسات الاستثمارية كانت الفئة الوحيدة التي سجلت مشتريات صافية للأسهم الأمريكية، حيث ضخت 4.3 مليار دولار في صناديق الأسهم المتداولة (وهو أكبر تدفق نقدي منذ سنوات) بالتزامن مع عمليات البيع التي نفذها مستثمرو التجزئة وصناديق التحوط.

 

 

- يستفيد أيضًا مستثمرو الأسهم الخاصة وغيرهم من مستثمري القيمة، فعلى عكس صناديق الأسهم السائلة، تجمد صناديق الأسهم الخاصة ومستثمرو الديون المتعثرة أموالهم لسنوات في الأصول ذاتها، ويمكنهم التريث حتى تتعافى التقييمات.

 

- تشير البيانات التجريبية للجمعية البريطانية لرأس المال المخاطر إلى نجاح هذه الاستراتيجية، إذ أفادت بأن صناديق الأسهم الخاصة حققت أرباحًا تقارب 15% سنويًا على مدى العقد الماضي مقابل 5% تقريبًا للسوق العامة.

 

- باختصار، تتشابك الروايات والآليات وعلم النفس، فيما تؤكد الدراسات أن التقارير المتشائمة المنتشرة بجانب بعض البيانات قد تُثني المستثمرين عن الشراء عندما تكون الأسعار عند أدنى مستوياتها، ومع غياب رواية مضادة قوية، قد يستسلم حتى المستثمرون ذوو الخبرة بدافع الخوف.

 

- يصعب إثبات أسباب هذه الظاهرة المتكررة، كما أن ملاحظة الارتباط القوي ليس دليلًا على وجود "مؤامرة مُنسقة"، لكن الأنماط المتكررة لافتة للنظر، وتعكس كيف يمكن ببساطة للعقل الجمعي أن يسقط في هوة لا قاع لها من الخوف المفرط بسبب "الرواية السائدة في السوق".

 

المصادر: أرقام- ماركت سايكولوجي- مكتب البحوث المالية الأمريكي- اوندينغ فيول- إنفستنج- آر أو آي سي دوت إيه آي- أويلث أوف كومن سينس- المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية- بلومبرج- كونيكشن كابيتال- شات جي بي تي

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا