لم يكن يتخيل "سيمون بوليفار" محرر دول أمريكا الجنوبية أن أحفاده سيتحررون من سلاسل الاستعمار ليقعوا في أسر الذهب الأسود، بعدما أصبحت فئات العملة التي سميت تيمنًا باسمه مجرد أوراق ملونة تتراجع قيمتها سريعًا أمام الدولار الأمريكي، رغم تمتع بلادهم بأحد أكبر احتياطيات النفط على مستوى العالم.

في صباح اليوم، تتوجه إلى المتجر في كاراكاس لتشتري الاحتياجات الأساسية لأطفالك، وتتساءل عن الأسعار لتجد أنها تتغير كل حين – على غرار الأسهم في البورصة - ولكن ليس من خلال شاشة إلكترونية بل عبر سبورة أو لوح تقليدي يقوم البائع بتعديله بصورة مستمرة، حتى أن ثمن طبق البيض (30 بيضة) أصبح 6.40 دولار، في حين يحصل العامل البسيط على أجر لا يتجاوز 60 سنتًا شهريًا.
حيث تفقد العملة قيمتها بوتيرة متسارعة بلغت 80% تقريبًا في 2024، ويعيش 86% من سكانها تحت خط الفقر، فضلاً عن القلق وضبابية الرؤية بشأن المستقبل، هذا الوضع هو ما جعل "يينر بينيتيز" حارس الأمن الذي فر إلى العاصمة الكولومبية "بوغوتا" يبكي بحرقة وهو يتذكر المعاناة والخوف اللذين دفعاه لمغادرة فنزويلا في 2022.
نهاية كابوس.. ومستقبل غامض
بشكل مفاجئ انكسر حاجز الصمت، تجمع الآلاف من مواطني الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية في عواصم مختلفة حول العالم - منها العاصمة الكولومبية التي تستضيف 3 ملايين فنزويلي - رافعين أعلام بلدهم للاحتفال بعد انتشار خبر اعتقال "نيكولاس مادورو" وزوجته على يد القوات الأمريكية في كاراكاس، ظنًا منهم أنهم نجوا من الانهيار الاقتصادي والقمع، وآملين العودة إلى ديارهم، رغم مستقبل البلاد الغامض، لا سيما بعد إعلان الولايات المتحدة أنها ستدير البلاد إلى حين إتمام عملية نقل السلطة.
فعلى سبيل المثال، المواطن "كارلوس سيير" البالغ من العمر 39 عامًا والذي غادر فنزويلا منذ عام 2017 الذي صرح لوكالة "فرانس برس" قائلاً: لا أحد يتمنى غزوًا أو قصفًا، لكنهما ضروريان ويعيدان الأمل في العودة إلى الوطن.
ويعبر كل من "سيير" و"بينيتيز" عن ملايين المواطنين الذين غادروا بلادهم الغنية بالنفط منذ سنوات وتابعوا بقلق التوترات الأخيرة بين فنزويلا والولايات المتحدة.
لكن في داخل فنزويلا، كان رد الفعل أكثر هدوءًا رغم احتفال بعض معارضي "مادورو"، إذ أظهرت بعض الصور للعاصمة شوارع شبه خالية، وسط حالة من عدم اليقين والخوف بشأن مستقبل البلاد، بينما خرج البعض بحثًا عن السلع الضرورية مع إغلاق معظم المتاجر.

انهيار اقتصادي.. سنوات من الجوع والبؤس
بعدما تمتعت فنزويلا – التي كانت لاعبًا رئيسيًا في أسواق النفط - بأحد أعلى معدلات دخل الفرد في أمريكا اللاتينية ووضع اقتصادي قوي، تراجع ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي إلى 82.8 مليار دولار في 2025، وتراوحت نسبة الدين إلى الناتج من 180% إلى 200%.
حتى إن الفارق بين سعر الصرف الرسمي (270 بوليفارًا للدولار) والسوق الموازية (480 بوليفارًا للدولار) وصل إلى 70%، ويتقاضى العاملون الحد الأدنى للأجور بحوالي 60 سنتًا فقط شهريًا.
أصبحت الدولة تواجه أزمة اقتصادية حادة وبنية تحتية متدهورة، ويعود جذور الأمر إلى سياسات اقتصادية خاطئة اتبعت في عقود ماضية بداية من عام 1976 عندما أممت الحكومة كافة شركات النفط والغاز العاملة في البلاد واستولت على أصول شركات كبرى لإنشاء شركة النفط المملوكة للدولة "بي دي في إس إيه"، إلى جانب سوء الإدارة في ظل التجربة الاشتراكية خلال عهد "مادورو" وسلفه "هوغو تشافيز".
وفي 2002، نظم العمال في البلاد إضرابًا عامًا للضغط على الرئيس لإجراء انتخابات جديدة، لكن قامت حكومته بتسريح أكثر من 18 ألف موظف من ذوي الكفاءات العالية أغلبهم من موظفي "بي دي في إس إيه"، مما أسفر عن انهيار إنتاج الشركة من النفط الخام بعدما بلغ ذروته عند 3.5 مليون برميل في ديسمبر 1997.

مما أطلق العنان للتضخم الجامح وتراجع إنتاج البلاد من النفط بصورة حادة وهجرة 8 ملايين مواطن خارج البلاد، وأثر الوضع الاقتصادي السيئ على حياة العديد من سكان البلاد، بداية من نقص الغذاء والتضخم الجامح، حتى أن الدولة توقفت قبل عقد من الزمن عن نشر بيانات التضخم بانتظام من أجل عدم الكشف عن مدى انهيار وضعها الاقتصادي.
لكن حسب بيانات "بلومبرج"، فإن فنزويلا تعاني من تضخم مفرط ارتفع إلى 556% في الاثني عشر شهرًا المنتهية في السابع عشر من ديسمبر 2025، بعدما بلغ 45% في 2024، مع تصعيد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" جهوده لعزل النظام الاشتراكي في كاراكاس ماليًا.
| نظرة على التضخم الجامح الذي تشهده فنزويلا منذ سنوات | |
| العام | معدل التضخم |
| 2018 | 63,374.08% |
| 2019 | 19,906.02% |
| 2020 | 2,355.15% |
| 2021 | 1,588.51% |
| 2022 | 186.54% |
| 2023 | 337.46% |
| 2024 | 48.98% |
وعلى مدار الاثني عشر شهرًا الماضية فقط، هبطت قيمة العملة المحلية البوليفار الفنزويلي 469%، حسب بيانات "تريدينغ إيكونوميكس".
وحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فإن وضع الأمن الغذائي في فنزويلا لا يزال حرجًا، حيث يحتاج 15% من إجمالي السكان إلى مساعدات غذائية عاجلة، وإن الوضع قد تفاقم بسبب اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
تحديات جسيمة رغم الثروات الضخمة
بعيدًا عن الوضع السياسي وعملية انتقال السلطة، فإن إصلاح الوضع الاقتصادي في فنزويلا سيواجه تحديات جسيمة مع الحاجة العاجلة لتوفير الغذاء والوقود والأدوية والأمن، وإعادة هيكلة ديون البلاد، ومعالجة أزمة تدهور سعر الصرف، والاستثمار في البنية التحتية بما يشمل شبكات المياه والكهرباء والعودة لتقديم بيانات اقتصادية موثوقة عن التضخم وغيره من المؤشرات الرئيسية حتى تتضح الرؤية بشأن دخل البلاد والتزاماتها والاستفادة من ثرواتها.
وربما يكمن الحل الأساسي في إصلاح قطاع النفط وتطوير احتياطيات البلاد الهائلة لكن ذلك قد يستغرق وقتًا طويلاً، ورغم حديث "ترامب" عن إعادة بناء صناعة النفط في فنزويلا وإنفاق مليارات الدولارات، التزمت كبرى شركات الصناعة الأمريكية الصمت حتى الآن.

لكن في المرحلة الانتقالية الحالية وببعض الإصلاحات يمكن أن يزيد إنتاج فنزويلا من مستواه المتدني الحالي الذي يقارب مليون برميل يوميًا ولو بشكل تدريجي.
البحث عن الضوء في نهاية النفق.. بعدما سجن "مادورو" المتظاهرين المناهضين لحكومته وشخصيات المعارضة وشن حملة قمع ضد من يسلطون الضوء على وضع البلاد الاقتصادي الحزين، وتوقف نشر بيانات التضخم الرسمية والضعف الحاد للعملة المحلية ازداد استياء المواطنين – سواء من المقيمين في الداخل أو الخارج – حتى أصبحوا في انتظار أي طوق نجاة يمكنهم من إنهاء الأزمة الاقتصادية.. فهل التدخل الخارجي سينجح في ترميم سنوات من الانهيار؟ أم أنه بداية لأزمة ضبابية السيادة؟
المصادر: أرقام – فرانس برس – برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة "دبليو إف بي"- صندوق النقد الدولي – صحيفة إلباييس الإسبانية - فوكس بيزنس – الجارديان – بلومبرج – ستاستيا – فاينانشال تايمز
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
