اقتصاد / صحيفة الخليج

مركز عالمي للصيرفة الإسلامية

ناصر الزعابي*

عززت دولة العربية المتحدة مكانتها كمركز مالي إسلامي عالمي، بفضل منظومة تشريعية متطورة وبيئة ابتكارية محفزة، ضمن رؤية استراتيجية يقودها مصرف الإمارات المركزي نحو ترسيخ صناعة الصيرفة الإسلامية، التي أصبحت اليوم أحد أبرز مكونات النظام المالي للدولة. وفي ظل التطورات الاقتصادية المتسارعة، باتت الصيرفة الإسلامية في الإمارات خياراً تنافسياً لا يقل كفاءة عن نظيراتها التقليدية، سواء من حيث الأداء، أو الأصول، أو الأدوات، أو النمو، أو التوسع، حيث تشير التقارير الصادرة عن البنوك الإسلامية في الإمارات، إلى أن «إجمالي أصول البنوك الإسلامية في الإمارات ارتفع خلال الفترة 2021-2024 بوتيرة أسرع بكثير بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) بلغ 11% ليصل إلى 1.089 تريليون درهم (أي نحو 296 مليار دولار) في نهاية عام 2024.
شهدت دولة الإمارات تطورات تنظيمية وتشريعية بارزة في مجال الصيرفة الإسلامية، من أبرزها إنشاء الهيئة العليا الشرعية بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم (14) لسنة 2018، بهدف وضع معايير شرعية موحدة. كما أصدر المصرف المركزي أنظمة حوكمة وتعهيد عززت الشفافية والمساءلة واهتمت الدولة بدعم الابتكار في التمويل الإسلامي من خلال تعزيز الأدوات الرقمية وشركات التكنولوجيا المالية، مما رسخ مكانتها كبوابة عالمية لهذه القطاعات، وسعت الإمارات إلى مواءمة تشريعاتها مع المعايير الدولية بالتعاون مع منظمات مثل IFSB وAAOIFI، إلى جانب التزامها بتوصيات FATF، مما منح نظامها المالي الإسلامي مصداقية دولية. وتبرز مكانة الإمارات في هذا المجال من خلال دمجها بين المبادئ الشرعية وأهداف الاستدامة، واستضافتها فعاليات دولية تؤكد دور التمويل الإسلامي في دعم الاقتصاد الأخضر.
وللمجلس الوطني الاتحادي دور مهم في دعم قطاع الصيرفة الإسلامية من خلال ممارسة دوره الرقابي وطرح عدد من الأسئلة البرلمانية ذات الصلة، بهدف تسليط الضوء على التحديات التي تواجه هذا القطاع الحيوي، والمساهمة في تطوير التنظيمية بما يواكب التحولات الاقتصادية العالمية ويعزز تنافسيته، وقد شهد المجلس الوطني الاتحادي نقاشاً حول مدى التزام المصارف الإسلامية بأحكام الشريعة، وطالب المجلس بإنشاء هيئة عليا تشريعية لضمان وحدة المرجعية الشرعية وتفادي تضارب الفتاوى، في الفترة التي كانت الرقابة تترك لكل مصرف عبر لجانه الداخلية، لضمان سلامة المعاملات المالية وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
على الرغم من التقدم الملحوظ في مجال الصيرفة الإسلامية، لا تزال هناك تحديات جوهرية تعيق استدامة النمو وتعزيز التنافسية محلياً وعالمياً، ويأتي في مقدمتها النقص الملحوظ في الكفاءات الوطنية المتخصصة في هذا المجال الحيوي، ولا سيما في مجالات الرقابة الشرعية والتكنولوجيا المالية المتوافقة مع الشريعة، مما يؤدي إلى فجوة معرفية قد تنعكس سلباً على جودة الخدمات وكفاءة الابتكار في هذا القطاع، كما يشكل تعدد المعايير الشرعية وتفاوتها بين المؤسسات المالية تحدياً آخر، إذ يؤدي هذا التباين إلى اختلاف في التطبيق العملي للمنتجات المالية والتضارب أحياناً في الفتاوى، الأمر الذي قد يُضعف من مصداقية النظام المالي الإسلامي، ويؤثر في ثقة المتعاملين. ويتزامن مع هذا التحدي، بطء نسبي في مواكبة التشريعات التنظيمية للتطورات الرقمية المتسارعة في مجال التمويل، مما يخلق فجوة تنظيمية تحدّ من قدرة البنوك الإسلامية على تقديم حلول مالية مبتكرة ومتطورة.
من جهة أخرى، تعاني الصيرفة الإسلامية من ضعف نسبي في مستويات الوعي المجتمعي والمالي لدى شرائح واسعة من المجتمع، ولا سيما بين فئة الشباب ورواد الأعمال، حيث لا تزال بعض المفاهيم المتعلقة بالتمويل الإسلامي غير واضحة، مقارنةً بانتشار المعرفة حول الصيرفة التقليدية. ثم إنَّ هناك حاجة ملحة إلى تطوير مؤشرات أداء وطنية واضحة ومتكاملة، تُعنى بقياس مدى التقدم في تحقيق الأهداف الشرعية، وتعزيز الكفاءة الاقتصادية، ودعم الاستدامة البيئية، بما يسهم في ترسيخ دور الصيرفة الإسلامية كأداة مالية فاعلة توازن بين الامتثال لأحكام الشريعة وأثرها الحقيقي في التنمية.
ولمواجهة هذه التحديات، يمكن طرح مجموعة من الحلول العملية. تتمثل في إطلاق تدريب وتأهيل متخصصة تستهدف إعداد كوادر وطنية مؤهلة في مجالات الرقابة الشرعية والمالية الرقمية الإسلامية، وذلك بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث الوطنية. وتوحيد المعايير الشرعية عبر تفعيل دور الهيئة العليا الشرعية في المصرف المركزي، ومنحها صلاحيات تنسيقية أوسع مع الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية. وتحديث الإطار التشريعي والتنظيمي بصفة دورية لمواكبة الابتكار المالي، خصوصاً فيما يتعلق بتنظيم الأصول الرقمية المتوافقة مع الشريعة ومنصات التمويل الجماعي الإسلامية. وبالتوازي مع ذلك، ثم إنَّ إنشاء مركز وطني للابتكار في الصيرفة الإسلامية يُعد خطوة مهمة لدعم تطوير المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة، واحتضان الشركات الناشئة التي تقدم حلولاً تكنولوجية في هذا المجال.
وختاماً، فإن إعداد مؤشرات أداء وطنية دقيقة وشفافة، تُمكّن من قياس مستوى جودة الخدمات ومدى الالتزام بالضوابط الشرعية، إلى جانب تقييم مساهمة القطاع في الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، سيُعزز من فاعلية الأداء العام، ويُكرّس مكانة الإمارات كمركز عالمي للتمويل الإسلامي.

* باحث رئيسي تشريعي بالمجلس الوطني الاتحادي

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا