منوعات / بالبلدي

أمريكا حين تخشى رئيسها!

هل يُقصى ترامب كما أُقصي نيكسون.. .أم يُكسر الرمز قبل أن يكتمل؟

في الإمبراطوريات المتعبة، لا تأتي النهايات فجأة، بل تبدأ همساً في غرف مغلقة، ثم تتحول إلى ، ثم إلى ملفات تُفتح في التوقيت المناسب، قبل أن تنتهي بسؤال واحد يتردّد في الممرات المعتمة للسلطة: هل لا يزال هذا الرجل صالحاً للاستمرار؟

أمريكا اليوم لا تعيش أزمة رئيس فحسب، بل أزمة معنى ونظام، ودونالد ترامب هو أكثر تجلياتها فجاجةً وصداماً. لم يُربك ترامب المؤسسة لأنه خرج عن الأخلاق، فواشنطن لا تفزعها الفضائح، بل لأنه كسر القاعدة غير المكتوبة: أن يلعب الرئيس داخل النظام لا فوقه. وحين حاول الإمساك بالقضاء، والإعلام، والأمن، والسياسة الخارجية معاً، بدأت لحظة الفرز القاسي.

سلاح الملفات المسكوت عنها

تفجير ملف "جيفري إبستين" لم يكن كشفاً أخلاقياً متأخراً، ولا صدفة قضائية، لقد جاء بوصفه فعلاً سياسياً محسوباً، يؤكد أن الأسرار في الدولة الأمريكية لا تُفتح طلباً للحقيقة، بل طلباً لإعادة ضبط التوازن. الوثائق هنا لم تكن اتهاماً أخلاقياً بقدر ما كانت سلاحاً سياسياً أُخرج من المخزن في لحظة بعينها.

أما الربط بين إعادة إحياء ملف إبستين، وإعلان ترامب عزمه كشف وثائق اغتيال "جون كينيدي"، فهو اقتراب خطير من المنطقة المحرّمة في الوعي : من يحكم فعلاً؟ ومن يملك الحق في فتح الأرشيفات السوداء؟ وحين يقترب رئيس من هذا الخط، فإن النظام يردّ عليه بلغته الخاصة. هنا تتحرك "الدولة العميقة" لا بوصفها أسطورة، بل شبكة مصالح تخشى أن يتحول ترامب من حالة استثنائية إلى سابقة مدمّرة، فالرجل لا يريد فقط أن يحكم، بل أن يعيد تعريف من يحكم، وكيف، وبأي سقف.

الإعلام.. البديل المدني للانقلاب

في هذا السياق، لم يعد الإعلام الأمريكي مجرد سلطة رقابية، بل أصبح أداة مركزية في إدارة الصراع داخل الدولة. فالصحافة الكبرى لم تناقش سياسات ترامب بقدر ما أعادت تقديمه بوصفه خطراً مؤسسياً. العناوين لم تعد تسأل عما يفعل، بل عما إذا كان مؤهلاً للحكم أصلاً، وعن استقراره، وحدود صلاحيته الدستورية.

وهنا يظهر النموذج الأمريكي لـ "انقلاب بلا دبابات"، إذ تحول الإعلام، وتحديداً الصحافة الاستقصائية، إلى البديل المدني للانقلاب الناعم. فحين تُدار التحقيقات طويلة النفس، وتُضخ التسريبات بجرعات محسوبة، لا يكون الهدف إسقاط النظام، بل تحييد رأسه.

لقد تحولت غرف الأخبار إلى ما يشبه غرف العمليات: يُختار التوقيت، وتُبنى السردية، وتُدار الصدمة تدريجياً، حتى يصبح السؤال المركزي: هل بقاء ترامب أقل كلفة أم خروجه؟ بهذا المعنى، لا يصنع الإعلام القرار، لكنه يخلق المناخ الذي يجعل العزل، أو التفكيك البطيء للسلطة، خياراً عقلانياً في المخيال الأمريكي.

الحسابات الإقليمية والملاذ الأخير

في هذا المشهد، تبرز العلاقة مع "إسرائيل" بوصفها إحدى نقاط الضغط الأخطر، ليس لأن واشنطن مستعدة للتخلي عنها، بل لأن اندفاع ترامب غير المحسوب في حرب غزة، وتصعيده الخطابي تجاه إيران، جعلا الدعم الأمريكي عبئاً استراتيجياً لا استثماراً سياسياً.

إسرائيل، رغم صورتها الصلبة، لا ترغب في حرب إقليمية كبرى في ظل إدارة أمريكية منقسمة، لأن الحرب بلا غطاء أمريكي مستقر تتحول من رصيد إلى مقامرة وجودية. أما الخليج، فيدفع بهدوء نحو التهدئة، خوفاً من أن تتحول المنطقة إلى وقود لأزمة داخلية أمريكية.

المنتظرة

ترامب يدرك أن الحرب كانت تاريخياً ملاذ الرؤساء المحاصرين، وأن الاصطفاف القومي قد يعيد له شرعية مفقودة. لكن الفارق الجوهري أن المؤسسة هذه المرة لا تريد حرباً تُنقذه، بل أزمة تُنهيه دون أن تصنع منه شهيداً أو أسطورة. لهذا يبدو سيناريو "كينيدي" مستبعداً، فالاغتيال يمنح الخلود، بينما يظل سيناريو "نيكسون" هو الأقرب، ولكن بصيغة أكثر تعقيداً: تفكيك بطيء، خنق سياسي، وتجفيف تدريجي لمصادر القوة.

نحن أمام فصل أمريكي بالغ الخطورة، ليس على ترامب وحده، بل على العالم. فحين تضيق خيارات الرئيس، تتسع احتمالات الجنون السياسي، وحين تتصارع الدولة مع رأسها، تدفع الأطراف الهامشية الثمن. ليست أمريكا هي التي تضيق، بل رجل أراد أن يكون أكبر من الدولة، فاكتشف متأخراً أن الدولة لا تُهزم.. .بل تنتظر.

وعندما تضيق أحلام الرجال، ينطبق على المشهد قول الشاعر:

لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلاَدٌ بِأَهْلِهَا.. وَلَكِنَّ أَحْلامَ الرِّجَالِ تَضِيقُ

محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة بالبلدي ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من بالبلدي ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا