كتبت أسماء نصار
الأربعاء، 18 فبراير 2026 03:00 صمع إطلالة شهر رمضان المبارك، تطل "الكنافة" كأيقونة احتفالية تتجاوز كونها مجرد طبق حلوى، لتصبح طقساً اجتماعيًا يختزل قروناً من التراث العربي، من قصور الخلافة القديمة إلى مصانع الحلويات الحديثة، ظلت هذه الخيوط الذهبية "خيط الرجاء" الذي يربط الشعوب العربية بهويتها، محولةً مائدة الإفطار إلى لوحة فنية تعبق برائحة السمن والزهر، حيث تتربع على عرش الحلويات دون منازع.
من "طعام الأمراء" إلى "بهجة العامة"تعود الكنافة في أصلها إلى عهود الخلافة الأولى، حيث تذكر الروايات التاريخية أنها ابتكرت خصيصاً لمعاوية بن أبي سفيان لتكون وجبة سحور غنية تمنع عنه الجوع، وعرفت آنذاك بـ "كنافة معاوية".
ومع تعاقب الدول، من الأمويين إلى الفاطميين انتقلت هذه الحرفة من مطابخ القصور إلى شوارع المدن، حيث ابدع "الكنافانية" في تحويل العجين السائل إلى خيوط حريرية فوق صفيح النار، هذا التكوين الفني يعتمد على النار والعجين، حيث كان يتم الصب بوعاء النحاس المثقوب ليرسم بحركات دائرية رشيقة خيوطاً متناهية الدقة، في تناغم حركي يحدد جودة المنتج النهائي وقيمته الذوقية، لكن تراجعت هذه الطريقة وحلت محلها الآلات الحديثة.
بصمات الهوية من نابلس إلى بيروترغم وحدة المكونات الأساسية، إلا أن الكنافة تشكلت وفقاً للهوية المحلية لكل دولة عربية، مما خلق "جغرافيا مذاق" متنوعة تمنح كل مدينة بصمة وراثية خاصة، ففي نابلس الفلسطينية، تتربع "النابلسية" على العرش، معتمدةً على سر الجبن النابلسي المملح الذي يحلى بعناية ليمنح خاصية "المطة" الشهيرة.
أما في بلاد الشام، فتتسيد "الكنافة الخشنة" المشهد بملمسها المقرمش وحشوات القشطة البلدية أو الفستق الحلبي الأخضر.
وبالانتقال إلى الخليج والمغرب العربي، نجد تمازجاً عطرياً فريداً، حيث يطعم العسل بالزعفران والهيل في الخليج، بينما تبرز في المغرب العربي نكهات اللوز المطحون وماء الزهر الأندلسي، مما يجعلها لغة مشتركة تتحدثها الشعوب بلهجات مختلفة.
من "الفرن البلدي" إلى منصات "التريند"وتمثل مصر المحطة الأكثر حيوية في تطور صناعة الكنافة، حيث انتقلت من "الصينية التقليدية" إلى "حاضنة للابتكار".
بدأ التطور من صلب الأدوات، حيث تراجع "الفرن البلدي" اليدوي لصالح الميكنة الحديثة والأفران الآلية الدوارة التي تضمن دقة الخيوط.
ولم يتوقف التطور عند الأداة، بل شمل "الحشوات" التي انطلقت مع ظهور "كنافة المانجو"، لتفتح الباب أمام ابتكارات عصرية مثل "اللوتس" و"النوتيلا".
كما تغيرت طريقة التقديم لتتحول من الصواني الضخمة إلى "أساور الكنافة" و"البولات" العصرية، مما حولها من منتج موسمي إلى "تريند" سنوي يتصدر المشهد الاقتصادي والسياحي في مصر طوال العام.
رمزية التواصل الاجتماعيوتظل الكنافة في جوهرها أكثر من مجرد تحلية، فهي المحفز الأول لتجمع العائلة بعد صلاة التراويح، والهدية المفضلة التي تذيب المسافات بين الجيران.
ورغم دخول الحداثة وتطور الأذواق، يبقى الحنين الشعبي منحازاً دائماً للنسخة الأصلية التي تفوح منها رائحة الأصالة، لتظل الكنافة دائماً هي "تاج الموائد" وحكاية العشق التي تتجدد مع كل "رشة سكر" ومع كل طلعة هلال.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
