يأتي شهر رمضان المبارك كل عام محمّلاً بأجواء روحانية واجتماعية خاصة، لا تقتصر آثارها على الكبار فحسب، بل تمتد بعمق إلى عالم الأطفال النفسي والاجتماعي. فالطفل، بحساسيته العالية تجاه التغيرات في الروتين والأسرة والمجتمع، يتأثر بشهر رمضان بطريقة قد تكون إيجابية في كثير من الأحيان، لكنها قد تحمل بعض الجوانب السلبية إن لم يُحسن التعامل معها. ومن هنا تنبع أهمية فهم تأثير هذا الشهر الكريم على سلوك الأطفال من منظور نفسي واجتماعي، حتى نستثمر إيجابياته ونتجنب سلبياته قدر الإمكان.
أولاً: شهر رمضان كبيئة نفسيّة مختلفة في حياة الطفل
يُعدّ شهر رمضان فترة انتقالية مؤقتة في نمط الحياة اليومية؛ إذ تتغير مواعيد النوم والاستيقاظ لدى الطفل، وأوقات الطعام، وحتى طبيعة الأنشطة العائلية. هذه التغيرات قد تُحدث لدى الطفل شعوراً بالحماس والترقب، خاصة إذا كان يعيش في مجتمع يُظهر مظاهر احتفالية واضحة بالشهر، كما هو الحال في دول عديدة في العالم الإسلامي.
من الناحية النفسية، يشعر الطفل بأن شهر رمضان شهر "مميز"، وهذا الإحساس بتميّز الزمن يعزز لديه الإحساس بالانتماء لهوية جماعية. فعندما يرى الزينة في الشوارع، ويسمع أحاديث الصيام والعبادة، ويشارك في بعض الطقوس الرمضانية البسيطة؛ فإنه يبدأ في تكوين صورة ذهنية إيجابية عن الشهر، ترتبط بالدفء الأسري والتقارب الاجتماعي.
لكن في المقابل، قد تُسبب التغيرات المفاجئة في الروتين بعض الارتباك، خصوصاً للأطفال الأصغر سناً؛ الذين يعتمدون بشكل كبير على الثبات اليومي. اضطراب النوم مثلاً قد يؤدي إلى تقلبات مزاجية الطفل، سرعة انفعال، أو انخفاض في التركيز، خاصة إذا كان الطفل يذهب إلى المدرسة صباحاً.
ثانياً: التأثيرات النفسية الإيجابية لشهر رمضان على الأطفال
1. تنمية مفهوم الصبر وضبط النفس
الصيام، حتى لو كان تدريجياً أو لساعات محدودة للأطفال، يعرّفهم عملياً إلى معنى الصبر وتأجيل الإشباع. هذه المهارة النفسية تُعد من أهم مؤشرات النضج الانفعالي. فعندما يتعلم الطفل أن ينتظر وقت الإفطار، أو أن يؤجل طلباته احتراماً لجو الصيام، فإنه يطوّر قدرة على التحكم في رغباته.
تشير دراسات في علم النفس التنموي، من بينها تجارب شهيرة مثل تجربة "المارشميلو" التي أجراها عالم النفس الأمريكي والتر ميشيل في جامعة ستانفورد، إلى أن الأطفال الذين يتعلمون تأجيل الإشباع؛ يتمتعون لاحقاً بمهارات اجتماعية وأكاديمية أفضل. ورغم أن التجربة ليست مرتبطة بشهر رمضان تحديداً، إلا أن مفهومها يتقاطع مع ما يعيشه الطفل في الصيام من تدريب عملي على الصبر.
2. تعزيز الشعور بالتعاطف والرحمة
عندما يُشرح للطفل أن الصيام ليس فقط امتناعاً عن الطعام، بل إحساسٌ بالفقراء والمحتاجين؛ فإنه يبدأ في تطوير حسّ التعاطف. المشاركة في توزيع وجبات الإفطار، أو التبرع بالملابس والألعاب، تخلق رابطاً عاطفياً بين الطفل والآخرين، وهذا النوع من التربية العاطفية يرسّخ قيماً اجتماعية إيجابية؛ مثل العطاء والمشاركة، ويعزز مفهوم المسؤولية الاجتماعية منذ الصغر.
3. تقوية الروابط الأسرية
شهر رمضان يُعد موسماً للاجتماع الأسري، حيث تتجمع العائلة يومياً إلى مائدة الإفطار، وقد تمتد الجلسات إلى ما بعد صلاة التراويح. هذا التقارب اليومي يمنح الطفل شعوراً بالأمان والانتماء. ومن منظور علم النفس الأسري، فإن الطقوس المتكررة -مثل الإفطار الجماعي- تعزز استقرار الطفل العاطفي. الطفل الذي يعيش لحظات مشتركة مع أسرته بشكل منتظم؛ يكون أقل عرضة لمشاعر الوحدة أو القلق الاجتماعي.
4. تعزيز الهوية الدينية والثقافية
في هذا الشهر، يتعرّف الطفل بشكل عملي إلى مفاهيم دينية؛ مثل الصيام، الصلاة، قراءة القرآن، والزكاة. هذا التعرّف لا يكون نظرياً فقط، بل يُعاش يومياً، مما يعمّق ارتباطه بهويته الثقافية والدينية، فالشعور بالانتماء لهوية واضحة يعزز الثقة بالنفس، خاصة لدى الأطفال الذين يعيشون في بيئات متعددة الثقافات.
ثالثاً: التأثيرات الاجتماعية الإيجابية
1. تنمية مهارات التواصل
شهر رمضان موسم زيارات عائلية ولقاءات اجتماعية. مشاركة الطفل في هذه التجمعات؛ تُكسبه مهارات التواصل الاجتماعي عند الأطفال، مثل آداب الحديث، احترام الأكبر سناً، والمشاركة في الأنشطة الجماعية.
2. تعلم قيم النظام والالتزام
الالتزام بموعد الإفطار، الصلاة، أو حتى السحور، يرسخ لدى الطفل مفهوم الالتزام بالوقت. هذا الإحساس بالانضباط قد ينعكس إيجاباً على سلوكه الدراسي.
3. تعزيز روح العمل الجماعي
عندما يشارك الطفل في تحضير مائدة الإفطار أو ترتيب المنزل استعداداً للضيوف؛ فإنه يشعر بأهميته داخل الأسرة، مما يعزز تقديره لذاته.
رابعاً: التأثيرات النفسية السلبية المحتملة
رغم كل الإيجابيات، لا يمكن تجاهل أن رمضان قد يحمل بعض التحديات النفسية للأطفال، خصوصاً إذا لم تُراعَ احتياجاتهم العمرية.
1. اضطراب النوم وتأثيره على المزاج
تغيير مواعيد النوم، السهر حتى وقت متأخر، أو الاستيقاظ للسحور؛ قد يؤدي إلى نقص في ساعات النوم، خاصة للأطفال في سن المدرسة. هذا النقص يرتبط بزيادة العصبية، ضعف التركيز، وربما تراجع الأداء الأكاديمي.
2. الضغط غير المناسب على الطفل للصيام
في بعض الأسر، قد يُمارس ضغط مباشر أو غير مباشر على الطفل ليصوم لساعات طويلة تفوق قدرته. هذا الضغط قد يخلق لديه مشاعر قلق أو خوف من الفشل، خاصة إذا شعر بأنه لا يرقى لتوقعات الكبار. ومن الناحية النفسية، الإكراه قد يؤدي إلى ربط العبادة بمشاعر سلبية، وهو ما قد يؤثر على علاقة الطفل بالدين مستقبلاً.
3. تقلبات المزاج بسبب الجوع أو التعب
حتى الصيام الجزئي قد يؤثر على مستوى السكر في الدم لدى الطفل، مما يؤدي إلى تهيج أو انفعال سريع لدى بعض الأطفال، خصوصاً في الأعمار الصغيرة.
4. المقارنات الاجتماعية
عندما يُقارن الطفل بغيره من الأطفال الذين يصومون مدة أطول، قد يشعر بالنقص أو الغيرة. هذه المقارنات قد تؤثر على تقديره لذاته إذا لم تُدار بحكمة.
خامساً: التأثيرات الاجتماعية السلبية
1. تقليل النشاط البدني
في بعض البيئات، يقلّ نشاط الأطفال في النهار بسبب الصيام أو الحر، مما قد يؤدي إلى قلة الحركة عند الطفل وزيادة الوقت أمام الشاشات.
2. اضطراب الروتين الدراسي
إذا تزامن شهر رمضان مع فترة دراسية، قد يتأثر تركيز الطفل وأداؤه، خاصة مع السهر.
3. زيادة التوتر الأسري
في حال كانت الأسرة تعاني من ضغوط مالية أو تنظيمية خلال رمضان، قد ينعكس التوتر على الأطفال، مما يزيد من شعورهم بالقلق.
سادساً: حقائق نفسية مهمة حول استجابة الأطفال لشهر رمضان
- الأطفال يتعلمون بالملاحظة أكثر من التلقين: فإذا رأوا الصيام مرتبطاً بالهدوء والرحمة؛ سيتبنون هذا النموذج.
- التدرج هو المفتاح: تدريب الطفل على الصيام بشكل مرحلي يتناسب مع عمره يضمن تجربة إيجابية.
- التفسير المناسب للعمر ضروري: الطفل الصغير يحتاج شرحاً بسيطاً، بينما الأكبر سناً يمكن مناقشته في الأبعاد الروحية والاجتماعية.
- الاحتفال يعزز الارتباط الإيجابي: مكافأة الطفل على محاولته، حتى لو لم يُكمل الصيام، تعزز ثقته بنفسه.
سابعاً: كيف نوازن بين الإيجابيات والسلبيات؟
لتحقيق أقصى استفادة نفسية واجتماعية للطفل في شهر رمضان، يُنصح بما يلي:
- الحفاظ على عدد كافٍ من ساعات النوم.
- تجنب الضغط أو الإكراه.
- إشراك الطفل في أنشطة رمضانية ممتعة.
- تعزيز الحوار المفتوح مع الطفل حول مشاعره.
- التركيز على القيم وليس فقط على الامتناع عن الطعام.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة سيدتى ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من سيدتى ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
