عرب وعالم / السعودية / عكاظ

في ثلثه الثاني.. مراجعة القلب قبل ختامه

تذكَرت وأنا هذه الأيام في مكة المكرمة، وبعد أن مضى من شهر المبارك الثلث الأول.. والدي رحمه الله وغفر له، والذي كان يُصلّي خلف أئمة المكّي الشريف قرابة سبعين عاماً..

وانسلّت أيام هذا الشهر سريعاً كأنها ومضات نور في ليلٍ قصير.. لم نعدْ في لحظة الاستقبال الأولى..

ولا في وهج البدايات التي تفيض بالحماسة والعزم، بل نقف اليوم في منتصف الطريق.. حيث تختبر النيات.. ويُقاس الأثر.. وتُراجع النفس حساباتها بهدوءٍ وصدق..

ونحن في العشر الأوائل من رمضان..

تتبدّل الأسئلة..

ولم يعد السؤال:

كيف نستقبل الشهر؟

بل: ماذا غيّر فينا الشهر؟

هل أصبحنا أكثر قرباً من الله؟

هل هدأت زوايا القلق في أرواحنا؟

هل خفّفت العبادة من ثقل الحياة وضجيجها؟

فالصيام ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب..

بل انقطاع عن كل ما يرهق القلب ويشوّش الروح..

رمضان مدرسة أخلاقية قبل أن يكون موسماً تعبدياً..

هو فرصة لإعادة ترتيب الداخل: لتصفية النيات.. وتقويم السلوك وترميم ما تصدّع من علاقات..

وفي هذه الأيام التي مضت..

امتلأت المساجد بالمصلين..

وتعالت أصوات التراويح..

وتسابقت الأيادي إلى الخير..

خصوصاً في رحاب مكة المكرمة والمدينة المنورة حيث تتجسّد روحانية الشهر في أبهى صورها..

وتغدو اللحظة الإيمانية أعمق وقعاً وأقرب إجابة..

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وهج البداية.. بل في ثبات المسير..

فالعشر هي نقطة التوازن

إما أن تتجدّد العزيمة..

أو يتسللّ الفتور.. ومن حكمة هذا الشهر أنه يمنحنا دائماً فرصة الاستدراك.. ما فات يمكن تعويضه.. وما ضعف يمكن تقويته...

وما انقطع يمكن وصله..

ومع اقتراب العشر الأواخر..

تتعاظم المسؤولية.. إذ إن الخواتيم هي المقياس.. والليالي القادمة تحمل في طياتها فضلاً عظيماً..

ومن اجتهد فليزد..

ومن قصّر فليستيقظ قلبه..

فالأبواب ما زالت مفتوحة..

والرحمة ما زالت واسعة..

والنداء ما زال يتكرر كل ليلة..

فهل من تائب؟ هل من مستغفر؟

رمضان ليس زمن تقييمٍ فحسب.. بل زمن قرار..

قرار أن يكون النصف الثاني أصدق من الأول.. وأقرب إلى روح العبادة.. وأبعد عن مظاهر الاستهلاك التي قد تسرق المعنى من الشهر. فالقضية ليست في مظاهر الإفطار والسهر، بل في لحظات الخلوة الصادقة التي لا يرانا فيها إلا الله..

كما أن هذا الشهر يعيد تشكيل علاقتنا بالمجتمع من حولنا..

إذ تتجدّد معاني التكافل..

ويزداد الإحساس بحاجة الآخرين..

ويشعر الإنسان أن قيمة الحياة في العطاء لا في الأخذ..

ومن أجمل ما في رمضان أنه يعيد التوازن بين الروح والمادة..

وبين الفرد والجماعة..

وبين العبادة والعمل..

الخاتمة:

مع وصولنا إلى هذا المنعطف من الشهر الكريم.. لنجعل ما تبقى منه موسماً مضاعفاً للنية والعمل..

ولنُحسن الظن بربٍّ كريم رحيم

لا يردّ من أقبل عليه..

نسأل الله أن يبلغنا تمام رمضان

ونحن في أمنٍ وإيمان..

وأن يجعلنا من المقبولين..

وأن يديم على وطننا نعمة الاستقرار ويبارك في قيادته..

ويحفظ بلاد المسلمين كافة..

فلعلّ في ليلةٍ صادقةٍ في ختامه ما يمحو تعب أعوام..

ويكتب بدايةً جديدةً لقلبٍ أراد أن يولد من جديد.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا