لم يختفِ الصحفي لأن الزمن تجاوزه، بل لأن المشهد قرر الاستغناء عنه.!
اختفى لأن الحقيقة صارت ثقيلة، ولأن السؤال الجاد لم يعد مرغوبًا، ولأن المهنة التي كانت يومًا ضمير الحدث تحوّلت إلى عبء على صناعة تبحث عن الهدوء لا عن الصدق.!
لم يغب الصحفي فجأة، ولم ينقرض بضربة واحدة.! ما جرى أشبه بموتٍ بطيء، صامت، جرى أمام أعين الجميع... بلا فتح تحقيق، وبلا تقديم متهم، وبلا جنازة تليق بدوره الذي كان يومًا حجر الزاوية في المشهد الإعلامي.
كان الصحفي قلب الخبر النابض: يتقصّى، يتحقّق، يسأل السؤال المزعج، ويكشف المخالفة قبل أن تتحوّل إلى كارثة.!
كان عين المجتمع، وأحيانًا درعه.. شعاره «جئتكم بنبأ يقين»، «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت..».
يدعم المسؤول حين يُظلم، وينفي الشائعة حين تتضخم، ويقف في المنتصف حين تتنازع الروايات.
اليوم؟ صار الخبر يُنتج بلا صحفي، ويُستهلك بلا مساءلة..! بعد أن كان الصحفي سابقًا هو من يذهب إلى الموقع، يسمع الروايات المتناقضة، يتأكد، ويكتب. لم يكن يملك منصة ضخمة، ولا أدوات رقمية مبهرة، ولا فريق إنتاج خلفه.!
كان يحمل دفترًا، ومسجلاً بسيطًا، وكاميرا متواضعة إن وُجدت.
اليوم، ومع صعود ما يُسمّى بالإعلام الجديد، خصوصًا عبر منصة X، تغيّر المشهد كليًا.
آلاف يُطلق عليهم شبه «صحفيين» أو «صنّاع محتوى»، يكتبون في اللحظة، يحلّلون في الثانية، ويصدرون الأحكام قبل اكتمال الرواية.!
من الظلم أن تكون هناك مقارنة حقيقية بين مهنية الصحفي الورقي سابقًا، الذي كان يُحاسَب على كل كلمة، وبين ممارسات واسعة اليوم لا تخضع لتحرير ولا لتدقيق ولا لمسؤولية واضحة.!
الفرق ليس في الوسيلة، ولكن في المنهج والمبدأ والرسالة.!
الصحافة ليست سرعة، هي تحقق من معلومة. هي ليست مجرد رأي، يسكنها استقصاء وبحث.. ليست تفاعلًا، إنما مسؤولية ومهنية محضة.
ويبقى السؤال: من المسؤول عن موت الصحفي؟
وتأتي الإجابة، المسؤول ليس جهة واحدة، بل منظومة كاملة ساهمت في إزاحة الصحفي من المشهد، ممثلة في المؤسسات الإعلامية التي استبدلت التحقيق بالبيان، والتحرير بالنسخ، والميدان بالمنصّة السريعة.
وكذلك المنصّات الرقمية التي رفعت سرعة النشر فوق قيمة التحقق، وحوّلت «الترند» إلى معيار وحيد.
وفي ظل تبدل المصالح أتت ثقافة العلاقات العامة التي تمدّدت حتى ابتلعت الصحافة، فصار الخبر إعلانًا مقنّعًا، والحدث حملة، واللغة تلميعًا.
ولا ننسى في المقابل، الصحفي نفسه حين قَبِل التنازل عن أدواته، أو استسهل الطريق، أو صمت طويلًا.
وسط هذا التحوّل، لا بد من السؤال الصريح:
هل يصح أن نناقش مستقبل الإعلام دون أن نواجه حقيقة تراجع دور الصحفي؟ هل يمكن الحديث عن صناعة إعلامية متقدّمة بينما الصحفي الحقيقي غائب أو مُقصى؟ وهل أصبح الإعلام أقوى فعلًا بعد أن خفّ صوته المهني، أم فقط أكثر ضجيجًا؟
ثم يأتي الدور المنتظر لهيئة الصحفيين السعوديين، ليس بوصفها جهة رمزية، بل لأنها حارس للمهنة.
السؤال هنا لها ليس اتهامًا، إنما هو مراجعة: هل دافعت الهيئة بما يكفي عن الصحفي؟ عن حقه في السؤال؟ عن مكانته أمام تمدد المحتوى غير المهني؟ أم أن التحوّلات كانت أسرع من قدرة المهنة على حماية نفسها؟
أين الهيئة من حماية المهنة؟ من تمكين الصحفي؟ من بناء مظلة أخلاقية ومهنية واضحة؟ من الدفاع عن حق السؤال، وكرامة الممارسة، وأمن الميدان؟ هل اكتفت بالدور البروتوكولي، أم آن لها أن تقود معركة استعادة الصحافة من الهامش؟
الحقيقة القاسية: لا إعلام بلا صحفي، ولا صحافة بلا حرية مهنية مسؤولة، ولا منتديات ولا هيئات تُجدي إن لم تُترجم إلى سياسات وتمكين وحماية.
إحياء الصحفي لا يحتاج خطابات، يحتاج لقرارات: غرف تحقيق حقيقية، تشريعات تحمي السؤال، تدريب يُعيد الاعتبار للمهارة، ومساءلة تُعيد الثقة.
ولنكن أكثر صراحة، وربما أكثر إيلامًا: هل وجود الصحفي المناضل الآن يضر بالمرحلة الحالية وتسارعها وتحوّلاتها؟
الإجابة التي يتجنبها كثيرون هي: نعم، يضر... إن كانت المرحلة لا تريد الأسئلة.!
يضر إن كانت لا تحتمل النقد.!
يضر إن كانت تفضّل الصورة المصقولة على الحقيقة الكاملة.!
الصحفي الحقيقي يحمل هم وطنه فلا يصفّق كثيرًا، ولا يصمت طويلًا، ولا يمرر كل شيء. وهذا بالضبط ما يجعله غير مريح للبعض..!
لكن الحقيقة الأعمق أن المرحلة التي تخشى الصحفي، هي مرحلة تخشى نفسها.!
فالصحفي المهني لا يعرقل التنمية، هو يحميها من الخطأ.
لا يهدم الثقة، ولكن يبنيها على أساس متين. ولا يعادي المسؤول، إنما يمنحه فرصة الظهور في صورته الصحيحة، بعيدًا عن الشائعة والمبالغة.
غياب الصحفي عن المشهد التنموي ليس تطورًا، ولكنه يتسبب بفراغ ونقصان لافت.!
وكل فراغ تملؤه الفوضى، مهما بدا لامعًا على الشاشات.
هذا ليس رثاءً لمهنة، ولكنه إنذار للبحث عن حل.!
فالصحفي إن عاد، عاد معه التوازن.. وإن غاب، ظلّ الخبر ناقصًا... مهما كان لامعًا.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
