ديفيد ويسل *
من الأمور التي تعلمتها كمراسل سابق في صحيفة «وول ستريت جورنال»، وعبر تغطيتي لفترة رئاسة آلان غرينسبان للاحتياطي الفيدرالي، التي امتدت 18 عاماً: لا تسأل الرجل سؤالاً وأنت في طابور الفطور، القهوة في يدك، والطبق في اليد الأخرى، ودفتر الملاحظات في جيبك الخلفي. فالرئيس لم يكن يرد بإجابات مختصرة!
غرينسبان، الذي أكمل مئة عام في السادس من مارس، كان يزين إجاباته وخطبه برؤى فريدة حين لا يريد الحديث عن أسعار الفائدة. مرة، لاحظ أن الناتج المحلي الإجمالي بدأ يتناقص، مستشهداً بأن كابلات الألياف البصرية أخف من النحاس، وأن جزءاً متزايداً من قيمة الاقتصاد أصبح في الأفكار بدل البضائع الملموسة، وما إلى ذلك.
في طابور الإفطار خلال أحد مؤتمرات جاكسون هول السنوية، سألته: «هل يمكنه حقاً قياس وزن الناتج المحلي الإجمالي؟» فأخبرني بإسهاب عن تقرير حديث لوزارة التجارة الأمريكية أحصى وزن جميع الواردات والصادرات، ما دفعني للكتابة: «بعد وزن الأدلة بعناية، يريد رئيس الفيدرالي آلان غرينسبان أن تعرف أن الاقتصاد الأمريكي يتناقص. حرفياً». وكان لدى غرينسبان طرق أخرى غير تقليدية لمراقبة الاقتصاد، أشك في أن أياً من خلفائه كان مهووساً مثله بإحصاءات تحميل عربات الشحن. كما أن إلمامه بالتاريخ منح حكمته قوة، فقد تأثر بمؤرخ اقتصادي من ستانفورد، بول ديفيد، الذي أوضح لماذا استغرق توليد الكهرباء في أوائل القرن العشرين وقتاً طويلاً ليزيد الإنتاجية. هذا الفهم جعله يرفض ضغوط زملائه في 1996 لرفع أسعار الفائدة، مدركاً أن الثورة التكنولوجية ستسمح للاقتصاد بالنمو دون إشعال التضخم.
عندما رشح الرئيس رونالد ريغان غرينسبان لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي عام 1987، شكك البعض في قدرته على ملء فراغ سلفه، بول فولكر، الذي نجح في كبح جماح التضخم المرتفع بأسعار فائدة تجاوزت 10% في أوائل الثمانينيات. ولكن عند تقاعده عام 2006، أصبح يُعرف ب«مايسترو الاحتياطي الفيدرالي» لأسباب عدة، أبرزها: التعامل الفعال مع انهيار سوق الأسهم 1987، حث الرئيس بيل كلينتون على معالجة عجز الحكومة، ورصد موجة إنتاجية في التسعينيات قبل الآخرين. بالإضافة إلى قيادة الاقتصاد الأمريكي إلى بر الأمان خلال أحداث 11 سبتمبر، وفترتي ركود خفيفتين، وانفجار فقاعات الأسهم، مع إبقاء التضخم تحت السيطرة وإرساء ما عرف ب«الاستقرار الاقتصادي الكبير».
مع ذلك، خطؤه الأكبر، الذي ظهر فقط بعد أن سلّم المسؤولية إلى بن برنانكي، كان عدم فهم هشاشة النظام المالي أمام أزمة الإسكان. وأيضاً التهاون في تنظيم البنوك قبل أزمة 2008-2009، وموافقته على تخفيضات الضرائب للرئيس جورج دبليو بوش.
كصحفي يغطي الاحتياطي الفيدرالي، كان غرينسبان كنزاً، فهم دور الإعلام في نقل رؤية البنك المركزي. لكن على غير العادة، رفض الحديث في أواخر التسعينيات عندما أردتُ أن أسأله عما إذا كان قد بدأ يشعر بالقلق حول ازدهار سوق الأسهم. فاضطررت لكتابة مسودة مقال عن الموضوع، جاء في مقدمتها: «لو كنتَ مكان آلان غرينسبان، ألن تشعر بالقلق إزاء ارتفاع سوق الأسهم؟» وأرسلتُ المسودة إلى المتحدث باسمه لمراجعتها. أخبرني أن الرئيس قال إن قصتي «مُثيرة للاهتمام للغاية».
علمني غرينسبان درساً مهماً عن تحمل المسؤولية والاعتراف بالأخطاء. ففي يوم الأربعاء الذي سبق عيد الشكر عام 1989، اتخذ الاحتياطي الفيدرالي خطوة بدت لي وكأنها تخفيف للسياسة النقدية، لكن المركزي تدخّل بقوة في السوق ليؤكد عكس ذلك. كتبتُ إلى غرينسبان أنني صعّبتُ عليه مهمته الصعبة أساساً، واعتذرت. ففاجأني برده الهادئ: «هذه أول مرة في التاريخ يعتذر فيها صحفي للاحتياطي الفيدرالي».
* كاتب عمود، ومدير مركز «هاتشينز» للسياسة المالية والنقدية في مؤسسة «بروكينغز» (بارونز)
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
