تابع قناة عكاظ على الواتساب
«دوام الحال من المحال»، قاعدة يَصْدُق تطبيقها على كل شأن من شؤون الحياة. التاريخ تحكي آثاره عن أمم سادت ثم بادت. أمور كثيرة يَظُنُّ الناس أنها مستحيلة أو بعيدة التحقُّق، تتحقق في غمضة عين، بمقياس الزمن الذي يمتد آلاف السنين بل ملايين السنين.
إذا طبّقنا هذا المنطلق الفلسفي على السياسة، سيقود إلى نتيجة حتمية: زوال أحادية القوى العالمية. وقد أشرت إلى ذلك في العديد من المقالات، خلاف ما ذهب إليه كتاب «نهاية التاريخ» الذي ذهب مؤلفه في نظريته إلى أن الحضارة الغربية ستسود حتى النهاية. وقد أثبتت الأحداث عدم دقة هذا الرأي. فالعالم يشهد ظهور وبروز التنين الصيني، وعودة الاتحاد الروسي، وقوى إقليمية ودولية تتشكّل. العالم أمام مشهد ولادة فجر جديد يؤكد أن قاعدة «دوام الحال من المحال» تَصْدُق دائماً.
لقد روّجت الرؤية أو السردية الغربية للنظرية الأصلية التي ادعى فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» (1992) أن انتصار الليبرالية الديمقراطية الغربية بشكليها السياسي (الديمقراطية) والاقتصادي (الرأسمالية) يمثل «نهاية التاريخ» الفلسفية، بمعنى أنها الصيغة النهائية للحكم البشري التي ستهيمن إلى الأبد.
في حين أن التطورات اللاحقة أثبتت أن هذا الادعاء كان متفائلاً بشكل ساذج. فبدلاً من الهيمنة الأحادية، شهدنا: صعود الصين، وهو النموذج الأبرز الذي يناقض فوكوياما. فالصين تقدّم نموذجاً هجيناً يجمع بين اقتصاد السوق المفتوح (رأسمالية) ونظام سياسي سلطوي (حكم الحزب الواحد). إن نجاحها الاقتصادي يقوّض الادعاء بأن الديمقراطية الليبرالية هي السبيل الوحيد للتقدّم والازدهار. كما أن عودة روسيا، تحت قيادة بوتين، كقوة مناهضة للهيمنة الغربية، مستخدمة أدوات الطاقة والعسكر والدبلوماسية لتحدي النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وكذلك صعود قوى إقليمية مثل الهند والبرازيل وغيرهما، التي تتابع مصالحها الخاصة ولا تتبع بالضرورة النموذج الغربي بشكل كامل.
العالم يتحوّل بالفعل من مرحلة الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي) إلى نظام تعددي الأقطاب، حيث توجد عدة مراكز قوى تؤثر في السياسة العالمية. هذا التحوّل يثبت صحة القاعدة الفلسفية («دوام الحال من المحال»). لقد أثبت التاريخ أن لا شيء يدوم إلى الأبد، لا الإمبراطوريات ولا نماذج الحضارة. إن افتراض أن الغرب سيسود «حتى النهاية» يتجاهل الدروس الأساسية لدورات صعود وسقوط الحضارات. ما نراه اليوم هو مجرد فصل جديد في هذه الدورة التاريخية الطويلة. الأحداث تظهر فشل النموذج الواحد أينما كان، فالعالم أصبح أكثر تعقيداً. فقد كشف فشل النموذج الغربي في تحقيق الاستقرار والازدهار في كل مكان (كما رأينا في حروب العراق وأفغانستان والأزمة المالية 2008) إلى جانب نجاح النماذج الأخرى (مثل الصين)، أدّى إلى بحث دول كثيرة عن مسارات تنموية تناسب ظروفها وثقافتها، وليس مجرد استيراد النموذج الغربي.
إن ولادة «فجر جديد» متعدد الأقطاب هو السيناريو الأكثر ترجيحاً للمستقبل المنظور، حيث تتنافس وتتعاون عدة قوى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الهند، وغيرها) لتشكيل النظام العالمي، بدلاً من هيمنة قوة واحدة. والقاعدة الفلسفية صامدة: «دوام الحال من المحال» ليست مجرد مقولة شعبية، بل هي خلاصة رؤية فلسفية تاريخية عميقة تُثبت صحتها مرة أخرى في مشهد السياسة العالمية المعاصرة.
وعلى هذا، فإن التحوّلات الجارية ليست مجرد تقلبات في موازين القوى، بل هي تأكيد آخر على أن قوانين التاريخ لا تتبدل. إن صعود وأفول الأمم هو سنّة الكون، وما يحدث اليوم تحت أعيننا هو فصل مشرق من فصول هذه المسيرة الإنسانية الطويلة، حيث تتنوع النماذج وتتعدد المراكز، لتثبت مرة أخرى أن «دوام الحال من المحال»، وأن العالم متجدّد دوماً بأقداره وأفكاره.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
