فن / بالبلدي

مسارات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران

دخلت الحرب الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران أسبوعها الثالث، متجاوزة بذلك فرضية «الضربة الخاطفة» لتتحول إلى جيوسياسي أعاد رسم خطوط التوتر في المنطقة.

لم يعد الحديث اليوم عن «قواعد اشتباك» جرى خرقها، بل عن صياغة واقع إقليمي جديد بالحديد والنار، حيث تتشابك طموحات تل أبيب العسكرية مع إستراتيجية واشنطن، في مواجهة إيران.

في خضم هذا التصاعد، تتداخل الرسائل المتضاربة مع الإنجازات العسكرية لتخلق حالة من الغموض السياسي والإستراتيجي غير المسبوقة. فمن ضربات دقيقة على أهداف عسكرية إيرانية إلى تحركات دبلوماسية معقدة على مستوى الإقليم والدول الكبرى، تبدو المعركة وكأنها مسرح يتقاطع فيه الانتصار الميداني مع الأهداف السياسية غير المعلنة.

مع مطلع الأسبوع الثاني، أخذت الحرب طابعاً شمولياً، هذا التصعيد أحدث ارتباكاً فورياً في شرايين الاقتصاد العالمي، حيث قفزت أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية. الأسواق العالمية لا تخشى فقط من الصواريخ، بل من سلاح الجغرافيا. فمضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمي، بات اليوم منطقة عمليات عسكرية، مما يضع استقرار العالمي على المحك ويجعل العالم أجمع شريكاً في كلفة الصراع.

تواجه طهران اليوم معضلة إستراتيجية غير مسبوقة؛ فمن جهة، تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع قوة تكنولوجية وعسكرية هائلة، ومن جهة أخرى، تعاني من «برود» حلفائها التقليديين المنشغلين بمصالحهم الخاصة ومقايضاتهم مع الغرب.

هذا التخلي يقلص خيارات إيران الإستراتيجية. فالتصعيد المباشر محفوف بمخاطر وجودية، والدعم التقليدي لأذرعها لم يعد كافياً لتغيير موازين القوى في مواجهة ضربات تستهدف البنية التحتية والمنشآت الحساسة. لذا، تقف إيران أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانكفاء التدريجي لتثبيت وضع دفاعي يحمي بنية النظام وما تبقى من قدرات، أو «الهروب إلى الأمام» عبر توسيع رقعة الصراع لجعله مكلفاً للجميع ومحاطاً بضبابية تمنع الخصوم من توقع الخطوة التالية.

بالنسبة لواشنطن، فإن إدارة هذه الحرب تشبه السير في حقل ألغام، وهنا يبرز تباين واضح في الرؤى والمصالح بين الإسرائيليين والأمريكيين. فإسرائيل ترى أن عنصر الوقت يصب في صالحها، وأن استمرار العمليات العسكرية وتوسيعها هو الفرصة التاريخية لتفكيك المشروع الإيراني بالكامل وتغيير وجه المنطقة لعقود قادمة. في المقابل، لدى واشنطن حسابات مختلفة وأكثر تعقيداً، فهي محكومة بضغوط اقتصادية داخلية خاصة أن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل كابوساً سياسياً للبيت الأبيض أمام الناخب .

هذا التباين يمتد ليشمل «القنوات الخلفية»، فبينما تضغط إسرائيل للحسم العسكري الشامل، تحافظ واشنطن على استمرار الاتصالات مع طهران عبر وسطاء وقنوات استخباراتية سرية. هذه القنوات تهدف إلى منع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد لا تستطيع القوات الأمريكية احتواء ذيولها، وهو ما يقلل من قدرة المحللين على التكهن بمآلات الحرب، إذ إن ما يتفق عليه خلف الكواليس قد ينسف كل التوقعات المبنية على التصعيد الميداني.

في ظل هذا التعقيد وتقاطع المصالح، يمكن استشراف خمسة مسارات محتملة للمرحلة القادمة:

«الجراحة المحدودة»:

أن تبقى العمليات العسكرية ضمن نطاق استهداف «القدرات النوعية» دون الانزلاق لغزو بري. يهدف هذا المسار لإضعاف إيران عسكرياً ثم الانتقال للمسار الدبلوماسي لفرض شروط سياسية قاسية تحت ضغط القوة، وهو السيناريو الذي تفضله واشنطن لتقليل الخسائر الاقتصادية.

تحول الحرب إلى ضربات متبادلة ومتقطعة، تشبه «حرب الناقلات» في الثمانينيات ولكن بأدوات القرن الـ٢١. هذا السيناريو سيخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار في أمن الطاقة العالمي، ويحول المنطقة إلى «ساحة رمادية» تستنزف قدرات الجميع دون حسم واضح.

قد تنتهي المواجهة من دون نصر عسكري حاسم، عبر تسوية غير معلنة تُصاغ بعيداً عن الأضواء. في هذا المسار، تسمح الضربات المتبادلة لكل طرف بإثبات قدرته على الرد أمام جمهوره، قبل أن تتحرك قنوات الوساطة السرية لتثبيت تهدئة غير رسمية. النتيجة لا تكون اتفاقاً معلناً، بل عودة تدريجية إلى حالة اللاحرب واللاسلم، حيث تتوقف العمليات الكبرى من دون أن ينتهي الصراع فعلياً. وهو المسار الذي يتبناه الجناح الأكثر راديكالية، حيث يتم استخدام القوة العسكرية المكثفة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل إيران وخارجها. هو رهان على أن الضغط العسكري سيؤدي حتماً إلى شل قدرة النظام الإيراني على المناورة وإجباره على تغيير سلوكه الإقليمي بشكل جذري وشامل. وهو السيناريو الأكثر سوداوية، حيث تنجرف أطراف إقليمية ودولية أخرى إلى مواجهة مباشرة. في هذا المسار، قد تتحول الحرب من صراع محلي إلى جزء من تصفية حسابات دولية كبرى بين الشرق والغرب، حيث تجد القوى الكبرى نفسها مضطرة للتدخل المباشر لحماية مصالحها الحيوية.

إن دخول الحرب أسبوعها الثالث يثبت أن الرهانات القديمة قد سقطت. نحن أمام صراع متعدد الأبعاد؛ عسكري في الميدان، اقتصادي في أسواق النفط، ووجودي في أروقة السياسة. إدارة هذه الأزمة تتطلب اليوم ما هو أكثر من «القوة»؛ تتطلب وضوحاً في الرؤية وقدرة على التراجع قبل الارتطام بالهاوية، لأن الخطأ في الحسابات اليوم لن تدفع ثمنه الأطراف المتحاربة فحسب، بل العالم أجمع.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة بالبلدي ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من بالبلدي ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا