في وقتٍ تمضي فيه الصين بثبات على مسار التنمية عالية الجودة، تبدو المفارقة لافتة: كلما تعقّدت البيئة الدولية، ازدادت بعض القراءات الغربية تبسيطاً واختزالاً لمسار الاقتصاد الصيني.
لا تزال أصوات في الإعلام الغربي تُصرّ على تفسير أداء الصين عبر عدسة واحدة ضيقة، وهي «حتمية الصادرات»، ويزعمون أن حالة عدم اليقين الناجمة عن سياسات التعريفات الجمركية الأمريكية، والآثار العالمية المترتبة على امتداد صراعات الشرق الأوسط ستؤدي بشكل مباشر إلى خنق الصادرات الصينية، ومن ثم التباطؤ الحاد في النمو، وكأن اقتصاداً بحجم الصين يُختصر في مقياس واحد.
بل يذهب البعض إلى اعتبار خفض مستهدف النمو إلى نطاق بين 4.5% و5% دليلاً على «استنفاد النموذج القديم». غير أن هذه الأحكام، في جوهرها، تعكس سوء فهم لبنية الاقتصاد الصيني، وتغافلاً عن التحولات العميقة التي يشهدها.
الخلل الأساسي هنا يكمن في التمسك بصورة قديمة للصين بوصفها مصنع العالم، منخفض الكلفة. صحيح أن التجارة الخارجية شكّلت، تاريخياً، أحد المحركات الثلاثة للنمو، وأسهمت في دعم التوظيف وتعزيز القدرة التنافسية. لكن مع التحول الهيكلي للاقتصاد الصيني، برز الطلب المحلي كركيزة أكثر صلابة. فقد تراجعت نسبة الاعتماد على التجارة الخارجية من 59.2% في عام 2008 إلى نحو 32.7% في 2025، فيما بات الاستهلاك النهائي يشكل 52% من الناتج المحلي الإجمالي، ويسهم الطلب المحلي بما يقارب 67.3% من النمو.
هذا التحول لا يعني تراجع أهمية الصادرات، بل إعادة تعريف دورها. فالصادرات الصينية اليوم لم تعد قائمة على المعالجة منخفضة القيمة أو المنافسة السعرية، إنما تستند إلى التكنولوجيا، والعلامات التجارية، والتكامل الصناعي، وقوة سلاسل الإمداد. بمعنى آخر، ما نشهده هو انعكاس لقوة الصناعة المحلية وقدرتها على الابتكار والتوسع، وليس اعتماداً أحادياً على الأسواق الخارجية. العلاقة بين الاقتصاد الكلي والصادرات باتت تكاملية، لا سببية خطية.
ويُعد قطاع المركبات الكهربائية مثالاً صارخاً على هذا التحول. ففي عام 2025، بلغت مبيعات السيارات في الصين 34.4 مليون وحدة، منها 16.49 مليون مركبة كهربائية، بنسبة تقارب 48% من إجمالي المبيعات الجديدة. وعلى هذه القاعدة المحلية الضخمة، قفزت صادرات السيارات إلى أكثر من 7 ملايين وحدة، بزيادة سنوية تجاوزت 21%، فيما تضاعفت صادرات المركبات الكهربائية بأكثر من 100%. هذه الأرقام تكشف بوضوح أن التنافسية لم تُبْنَ في الخارج، بل صيغت داخل السوق المحلي عبر الابتكار والتوسع وتحسين الكلفة، قبل أن تنطلق عالمياً.
ورغم الضغوط الخارجية، أثبتت التجارة الصينية قدرة لافتة على التكيّف. فعلى الرغم من إطلاق واشنطن لسياسات «الرسوم المتبادلة» وما أحدثته من اضطراب في النظام التجاري العالمي، لم تنهَر الصادرات الصينية كما توقع البعض، بل سجلت نمواً سنوياً بنسبة 6.1%، مع بلوغ إجمالي التجارة مستويات قياسية. حتى أن بداية عام 2026 حملت مؤشرات أقوى، مع نمو التجارة بنسبة 18.3% خلال الشهرين الأولين، وقفزة في الصادرات بنحو 19.2%، في انطلاقة قوية للخطة الخمسية الجديدة.
لا شك في أن البيئة الخارجية هذا العام لا تزال محفوفة بعدم اليقين، وأن الضغوط على التجارة مستمرة. غير أن مؤشرات التحول النوعي تعزز مناعة الاقتصاد. فقد ارتفعت صادرات المنتجات عالية التقنية إلى 5.25 تريليون يوان، بنمو 13.2%، فيما قفزت صادرات القطاعات الجديدة، كالمركبات الكهربائية، والبطاريات، والخلايا الشمسية، بنسبة 27.1%. وشهدت صادرات المنتجات الخضراء نمواً لافتاً، إلى جانب صعود العلامات التجارية الصينية في الأسواق العالمية.
* افتتاحية صحيفة «غلوبال تايمز»
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
