اقتصاد / صحيفة الخليج

عجز النظرية الكينزية عن الكساد

د. عبدالعظيم حنفي *

يعتبر التضخم من الظواهر الاقتصادية التي تشغل فكر الباحثين الاقتصاديين لما له من انعكاسات مباشرة على متوسط دخل الفرد الحقيقي، والمستوى المعيشي للأفراد، فضلاً عن ذلك يؤثر التضخم في العديد من المتغيرات الاقتصادية الكلية التي ينعكس تأثيرها النهائي في النمو الاقتصادي بشكل مباشر أو غبر مباشر.
تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن هناك جدلاً واسعاً حول العلاقة بين التضخم والنمو الاقتصادي؛ حيث ترى دراسات اقتصادية، أن للتضخم تأثيراً سلبياً على الاقتصاد وخاصة في الأجل المتوسط والأجل الطويل، بحكم أنه يحد من النمو الاقتصادي من خلال تقليل كفاءة الاستثمار والانتاجیة. وبالتالي فإن العلاقة بين التضخم والنمو الاقتصادي علاقة سلبية.
في المقابل ترى دراسات، أن للتضخم أثراً إيجابياً في النمو الاقتصادي، مستندة إلى أن التضخم يشجع على الاستثمار والادخار، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة معدلات النمو الاقتصادي. وتبرر تلك الدراسة ذلك بأن ارتفاع الأسعار يؤدي إلى تدني مستويات الاستهلاك تحت مفهوم الادخار الإجباري، بالإضافة إلى أنه يؤدي للبحث عن موارد مالية إضافية بديلة مما يخلق فرصاً أكبر للاستثمار,
وفي هذا السياق، ترى المدرسة النقدية، ومن روادها «میلتون فريدمان» أن التضخـم ظاهرة نقدية صرفة، تعود في نشأتها إلى عوامل نقدية ومالية، وسببها التوسع في الإصدار النقدي بشكل يؤدي إلى تفوق الطلب الكلي على العرض الكلي فتحصل اختناقات وضغوط تضخمية تتمثل في ارتفاع الأسعار، وتشكل عوائق أمام استحداث التنمية. كما صاغ «مارشال» نظرية الأرصدة النقدية تحت مسمى معادلة كامبردج، حیث اهتمت بالطلب على النقود على أنه رصيد نقدي «ما يرغب الفرد بالاحتفاظ به من دخله السنوي الحقيقي على شكل نقد ويعتبر مارشال الأرصدة المختلطة للأفراد والمشاريع وغيرها هي رصيد نقدي للدولة عامة، فالتضخم في هذه النظریة ينسب إلى الدخل الذي يحتفظ به على شكل نقود سائلة أو كاحتياط نقدي. وهكذا اعتمد الفكر التقليدي في تعريف التضخم على مبدأ الزيادة الناتجة عن ظروف الطلب أو ظروف العرض للنقود والذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. ولكن في ظروف أزمة الكساد العالمي في عام 1929 تمت معارضة الفكر التقليدي حیث إن زيادة كمية النقود لم تؤدِ إلى ارتفاع الأسعار، وكما أن نظام الرقابة على الأسواق والأسعار الذي تستخدمه الدول في حال وجود التضخم بعارض ما جاء بالفكر التقليدي..
برزت أعمال المدرسة الكينزية بالتركيز على الدخل القومي وما يتعلق به مثل الميل الحدي للاستهلاك، وسعر الفائدة. فالتضخم حسب أنصار هذه المدرسة ناجم عن زيادة ملموسة ومستمرة في حجم الطلب الكلي عن حجم العرض الكلي لذلك يتم البحث عن العوامل التي تحكم مستوى الدخل القومي باعتبار أن التقلبات فيه تتضمن تفسيراً للتقلبات في المستوى العام للأسعار.
وقد بين كينز بأن سوق العمل له تأثير في ارتفاع مستوى الأسعار (التضخم) عن طريق ارتفاع الطلب على السلع والخدمات، والذي يؤدي بدوره إلى زيادة الطلب على القوه العاملة لإنتاج هذه السلع والخدمات، وزيادة الطلب على العمل ستؤدي إلى زيادة الأجور، فإذا كان المعدل الحدي للادخار للعمال منخفضاً والمعدل الحدي للاستهلاك مرتفعاً فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الطلب الكلي بنسبة أكبر من زيادة العرض الكلي، الأمر الذي سيزيد بالتالي من مستويات التضخم.
وتعتمد نظرية كينز على تحليل العوامل التي تحدد مستوى الدخل، وقام بإعطاء كمية النقود دوراً ثانوياً عن طريق تأثيرها في سعر الفائدة، ثم في حجم الاستثمار، ثم في الدخل القومي، معتبراً التشغيل الكامل حالة استثنائية. وأعطى اهتماماً كبيراً للطلب المباشر على النقود، ودرس علاقته بمستوى الإنفاق.
أشارت المدرسة الكينزية إلى أن الكوارث والحروب تساعد على زيادة مستوى الطلب على السلع والخدمات مما يساعد على ارتفاع معدلات التضخم. ومن جانب آخر، رأت دراسة اقتصادية صادرة عام 1952 أن الطلب على النقود بدافع المعاملات یتأثر بمعدل الفائدة وليس كما افترض كينز أنه یتأثر بالدخل فقط، وأن ارتفاع معدل الفائدة والدخل يجعل الأفراد يحتفون بجزء من الدخل من أجل الاحتياط ويقومون باستثمار الباقي.
وبعد أن عجزت النظرية الكينزية عن الكساد التضخمي بعد الحرب العالمية الثانية قام میلتون فريدمان بإعادة صياغة النظرية التقليدية بأسلوب جديد مستخدماً أدوات جديدة في تفسير التضخم، حیث قام بإحياء فكرة الطلب على النقود واعتبر أن التضخم ظاهرة نقدية، حیث إن ارتفاع الأسعار يحدث إذا زاد الطلب الكلي على العرض الكلي واعتبر أن الطلب على النقود ليس على شكل النقد فقط، وإنما أيضاً على شكل رأس مال مثل الآلات، وأنه يمكن الاحتفاظ بالنقود على شكل أسهم وسندات للحصول على عوائد. ورأى فريدمان بأن التضخم يحدث في حالة إصدار كمية كبيرة للنقود تزيد على المعدل الطبيعي لنمو الإنتاج، وأن الناتج المحلي غير مرن على المدى القصير، ولا يستطيع الاستجابة للطلب المتزايد فيؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار.
* أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية
[email protected] -

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا