اقتصاد / صحيفة الخليج

التوترات الجيوسياسية تُفقد الذهب بريقه

د. رامي كمال النسور*

شهدت أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة تراجعات حادة جداً في وقتٍ تتصاعد فيه حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث كان من المتوقع أن يسجل الذهب قفزات قوية باعتباره الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات. غير أن ما يحدث في الأسواق العالمية يعكس مشهداً مختلفاً، إذ يتعرض الذهب لضغوط ملحوظة، في مفارقة تستحق التوقف والتحليل.
إن أحد أبرز العوامل التي تقف خلف هذا التراجع يتمثل في السياسة النقدية الأمريكية، حيث يواصل الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً.
وفي ظل هذه ، يفقد الذهب جزءاً من جاذبيته، كونه أصلاً لا يدر عائداً، في مقابل أدوات مالية دولارية توفر عوائد مستقرة، مثل السندات وأذون الخزانة. ومع غياب إشارات واضحة لخفض قريب في أسعار الفائدة، يواصل المستثمرون إعادة توجيه محافظهم نحو الأصول المدرة للدخل.
وعلى خلاف ما جرت عليه العادة، لم يؤدِ ارتفاع أسعار النفط الذي حصل بنسب مرتفعة إلى دعم الذهب، بل ساهم بشكل غير مباشر في تقوية الدولار. فمع تسعير النفط عالمياً بالعملة الأمريكية، يؤدي ارتفاع أسعاره إلى زيادة الطلب على الدولار لتغطية واردات ، ما يعزز من قوته في الأسواق العالمية.
هذه القوة المتزايدة للدولار تمارس ضغطاً مباشراً على الذهب، نظراً للعلاقة العكسية التقليدية بينهما.
وخلال السنوات الماضية، لعبت البنوك المركزية دوراً محورياً في دعم أسعار الذهب عبر زيادة احتياطياتها منه، في إطار سياسات تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار.
غير أن البيانات الأولية لعام 2026 تشير إلى تراجع ملحوظ في مشتريات الذهب خلال الشهرين الأولين، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب الهيكلي في السوق، وترك الأسعار أكثر عرضة للتقلبات قصيرة الأجل بمعنى تراجع مشتريات البنوك المركزية.
إلى جانب تراجع الطلب الرسمي، برز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في انحسار مشتريات الأفراد والمستثمرين عبر صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالذهب (ETFs).
فخلال الشهرين الماضيين، شهدت هذه الصناديق تخارجات واضحة وتدفقات خارجة، وهو ما يُعد مؤشراً مباشراً على تراجع شهية المستثمرين الأفراد تجاه الذهب.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة، كونها تعكس السلوك الفعلي لشريحة واسعة من المستثمرين العالميين، الذين باتوا يفضلون التحول نحو أدوات أكثر سيولة وعائداً، في ظل بيئة أسعار الفائدة المرتفعة وقوة الدولار.
ومن ثم وفي خضم الأزمات الحالية، لم يعد الذهب الخيار الوحيد للتحوط، إذ برز الدولار كملاذ آمن منافس، مستفيداً من ارتفاع العوائد، وقوة الاقتصاد الأمريكي، وعمق أسواقه المالية.
هذا التحول يعكس تغيراً في سلوك المستثمرين، الذين باتوا يفضلون الأصول ذات السيولة العالية والعائد المباشر، خصوصاً في بيئة تتسم بعدم اليقين.
إن ما تشهده الأسواق اليوم يؤكد أن العلاقة التقليدية بين الأزمات وارتفاع الذهب لم تعد ثابتة كما في السابق وكما جاء في بطون أمهات الكتب في علم الاستثمار فالعوامل النقدية، وعلى رأسها أسعار الفائدة وقوة الدولار، أصبحت أكثر تأثيراً في تحديد اتجاهات الذهب من العامل الجيوسياسي وحده.
وهكذا رغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، فإن تراجع الذهب يعكس تحولاً هيكلياً في ديناميكيات الأسواق العالمية، حيث تتقدم أدوات العائد والسيولة على حساب الملاذات التقليدية.
وفي ظل استمرار هذه المعطيات، سيبقى أداء الذهب رهين توازن دقيق بين السياسة النقدية الأمريكية، واتجاهات الدولار، ومستويات الطلب المؤسسي والفردي، أكثر من كونه انعكاساً مباشراً للأحداث الجيوسياسية.

* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا