جيمي ماكغيفر*
لا أحد يحب النفط مرتفع الأسعار، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث تتسع رقعة الاعتماد على السيارات، ويقود الإنفاق الاستهلاكي النشاط الاقتصادي، وتُستهلك الطاقة على نطاق هائل. ومع ذلك، وعلى عكس المخاوف السائدة، يبدو أن المستهلك الأمريكي اليوم أكثر قدرة من أي وقت مضى على التكيّف مع نفط يبلغ سعره 100 دولار للبرميل.
هذه الفرضية قد تبدو صادمة للوهلة الأولى، خاصة في ظل الذاكرة الجماعية التي تربط ارتفاع أسعار النفط بتباطؤ اقتصادي وارتفاع في التضخم. لكن قراءة متأنية للبيانات الاقتصادية الراهنة تكشف واقعاً مختلفاً: الأسر الأمريكية لم تكن يوماً أكثر ثراءً من حيث القيمة الاسمية، كما أن أوضاعها النسبية تبدو قوية مقارنة بالماضي. يضاف إلى ذلك أن معدلات البطالة لا تزال عند مستويات تاريخية منخفضة، وهو عامل حاسم في دعم القدرة الشرائية.
الأهم من ذلك ربما، أن الإنفاق على الوقود والطاقة لم يعد يشكّل العبء الذي كان عليه سابقاً. فوفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي، لم تتجاوز حصة سلع البنزين والطاقة 2% من إجمالي إنفاق المستهلكين في الربع الأخير من العام الماضي، وهي من أدنى النسب المسجلة خلال ثمانية عقود، باستثناء فترة جائحة كورونا التي شهدت تشوهات استثنائية.
هذه الحقيقة قد تفسر جزئياً لماذا تفوقت الأسهم الأمريكية على نظيراتها العالمية منذ الضربات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير، والتي فجّرت حرباً في الشرق الأوسط وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، متسببة في واحدة من أعنف صدمات إمدادات الطاقة منذ عقود.
صحيح أن مؤشري «إس آند بي 500» و«ناسداك» خسرا نحو 5% منذ ذلك الحين، وهو تراجع كبير محا أكثر من 3 تريليونات دولار من قيمة الأسهم الأمريكية. لكن بالمقارنة، تبدو الخسائر أشد وطأة في أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة، حيث تراجعت المؤشرات الرئيسية بنسب تتراوح بين 8% و10%.
لفهم الصورة بشكل أدق، يكفي النظر إلى تطور حصة الطاقة من إنفاق المستهلك الأمريكي عبر الزمن. ففي عام 2022، عندما بلغ سعر النفط الأمريكي ذروته عند 130 دولاراً، استحوذت الطاقة على نحو 3% من الإنفاق. أما في عام 2008، حين اقترب النفط من 150 دولاراً، فقد تجاوزت النسبة 4%. وفي أوائل الثمانينات، بلغت الذروة نحو 6%.
اليوم، حتى مع ارتفاع الأسعار، لا تزال هذه النسبة عند مستويات منخفضة تاريخياً. صحيح أنها مرشحة للارتفاع إذا استمر جموح الأسعار لفترة طويلة، لكن حتى في هذه الحالة، تشير المعطيات إلى أن معظم الأمريكيين قادرون على استيعاب الصدمة.
وتدعم بيانات الاحتياطي الفيدرالي هذا التقييم، إذ تظهر أن ميزانيات الأسر الأمريكية في وضع قوي نسبياً. فقد بلغ صافي ثروة الأسر في الربع الأخير من العام الماضي نحو 794% من الدخل الشخصي المتاح، وهو مستوى يقترب من أعلى درجاته التاريخية، ولا يتجاوزه إلا ما سُجل خلال فترة الجائحة بين عامي 2021 و2022.
مع ذلك، لا يعني هذا أن الأمريكيين محصنون بالكامل من آثار ارتفاع أسعار الطاقة. فقد ارتفع متوسط سعر البنزين إلى نحو 4 دولارات للغالون، بزيادة تصل إلى 35% خلال شهر واحد، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة إلى مستوى أقل قليلاً عند 3.72 دولار، لكنه لا يزال الأعلى منذ عامين ونصف.
ورغم أن هذه المستويات ليست بجديدة، إذ تجاوزت الأسعار 4 دولارات لعدة أشهر عقب الحرب الروسية في أوكرانيا، ولامست 5 دولارات في يونيو من العام ذاته، فإن العبء يظل متفاوتاً بين شرائح المجتمع.
هنا تبرز إشكالية «عدم المساواة في الطاقة». فالأسر ذات الدخل المنخفض تخصص نسبة أكبر بكثير من إنفاقها للوقود والطاقة مقارنة بالأسر الأكثر ثراءً. وتشير دراسة للفيدرالي إلى أن واحدة من بين كل خمس أسر أمريكية تعاني ما يُعرف ب«عبء الطاقة»، حيث تصل نسبة الإنفاق على الطاقة إلى 25% من الدخل المتاح، مقابل 7% فقط لدى الأسر الأخرى. وغالبية هذه الأسر تقع ضمن أدنى شريحتين من حيث الدخل.
سياسياً، لا يمكن التقليل من حساسية هذا الملف. فبالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترامب، سيكون انتحاراً سياسياً تقديم ارتفاع أسعار الطاقة على أنه أمر إيجابي، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، والتي قد تفتح الباب أمام سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس. إلى جانب ذلك، لا تقتصر آثار النفط المرتفع على أسعار الوقود فقط، بل تمتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد، من النقل والتصنيع إلى الأسمدة والبلاستيك والكيماويات، وصولاً إلى أسعار الغذاء. وهذا ما يفسر سعي الإدارة الأمريكية الحثيث لاحتواء الأسعار، بما في ذلك قرار تأجيل الضربات العسكرية على البنية التحتية للطاقة في إيران.
لا شك في أن الوضع لا يزال هشاً وقابلاً للتغيير بسرعة، خاصة إذا واصلت أسعار النفط ارتفاعها إلى مستويات أعلى. ومع ذلك، تشير المعطيات الحالية إلى أن المخاوف من أن يؤدي نفط ال100 دولار إلى «كسر» المستهلك الأمريكي تبدو مبالغاً فيها، على الأقل في المدى القريب.
* كاتب صحفي متخصص في الاقتصاد وأسواق المال (رويترز)
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
