لطالما حذّر خبراء الموازنات العامة من «أزمة وشيكة» مرتبطة بالدين الوطني الأمريكي. وإذا كنت تتابع هذا الجدل، فلا بد أنك صادفت أسماءً بارزة في هذا السياق: ماكغينيس، ريدل، غالستون، بورن، بوتشيا، جينكنز، رامبل، وحتى إيلون ماسك. والقائمة، في الحقيقة، أطول بكثير من أن تُحصى. من دون مبالغة تُذكر، يمكن ملء مدرج كامل بخبراء الاقتصاد والمعلقين والسياسيين الذين ربطوا، على نحو دائم، بين «الدين العام» و«الأزمة».
غير أن الخبر المؤسف لهؤلاء المتنبئين بالسوء هو أنهم مخطئون. ليس هذا رأياً بقدر ما هو قراءة مفادها بأن الأسواق تتسم بالكفاءة والصرامة، واستشرافية بطبيعتها. ودليل ذلك أن سوق سندات الخزانة الأمريكية، الأكثر تداولاً وامتلاكاً في العالم، لا تعكس، بأي حال، تلك النبوءات الكارثية التي يرددها الخبراء.
بل إن الحقيقة، كما كان متوقعاً، تشير إلى أنه كلما ارتفع حجم الدين الوطني، تراجعت معدلات الفائدة عليه. وهذا الاتجاه مرشح للاستمرار، تحديداً لأن النقاش العام يظل أسير حجم الدين، لا أسبابه. وهنا يكمن الفارق الجوهري.
فمن خلال الترويج المستمر لسيناريوهات الانهيار بسبب تضخم الدين، يتجاهل هؤلاء حقيقة أساسية، وهي أن الإيرادات الضريبية المرتفعة، حالياً ومستقبلاً، هي التي تمكّن الحكومة من الاقتراض بهذا الحجم. وهنا تحديداً تكمن «الأزمة الحقيقية»: وفرة متزايدة في الإيرادات المستخلصة من الضرائب، مرشحة للتضخم أكثر مستقبلاً. وكما كتب جورج ويل بنبرة متشائمة، فإن «قدرة وزارة الخزانة على زيادة الدين ستتسارع على الأرجح». نعم، ستتسارع. فالدولة التي تجبي إيرادات ضخمة، وتتوقع زيادتها، تستطيع الاقتراض بسهولة أكبر وبوتيرة أعلى.
بهذا المعنى، يصبح الدين مجرد عرض جانبي لمشكلة أعمق، وهي فائض في الإيرادات الحكومية. ما يعني أن الأزمة الحقيقية هي عدم وجود أزمة دين من الأساس. ذلك أن المستثمرين الذين يضعون أموالهم على المحك، يدركون أن تدفقات الخزانة الحالية تظل محدودة مقارنة بما ستكون عليه مستقبلاً. وقد أقر جورج ويل بهذا الطرح، رغم اختلافه معه، بينما يتجاهله كثير من المنذرين ولا يبدون استعداداً لمناقشته.
مع ذلك، قد يرى ويل، من وجهة نظره الشخصية، الجوانب الإيجابية الكامنة في تشاؤمه بشأن الدين الوطني. ففي عموده الأخير في «واشنطن بوست» بعنوان «التدمير الذاتي المتسارع للأمة»، أعرب عن قلقه من توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس، بأن تنفق الولايات المتحدة، خلال عشر سنوات، أكثر من تريليوني دولار سنوياً على خدمة الدين، التي تُعد بالفعل أسرع بنود الميزانية نمواً. غير أن ما يراه ويل باعثاً على القلق يمكن قراءته بصورة تفاؤلية مختلفة تماماً. خاصة في ضوء انتقاداته المزمنة لكونغرس لا يلتزم بالحدود الدستورية، وكأن المشكلة تُحلّ من تلقاء نفسها.
ويضيف ويل في ختام مقاله، أن «ارتفاع الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يقلّص هامش تحرك الحكومة في مواجهة الركود أو الصدمات الاقتصادية». وربما تكون هذه الجملة من أكثر العبارات تفاؤلاً التي كُتبت في المقال.
إذا كنت في حيرة من أمرك، فاسأل «تشات جي بي تي» أو «كلود» أو «غروك» عمّا فعلته إدارات أمريكية من هوفر إلى روزفلت، مروراً ببوش، ووصولاً إلى ترامب، في مواجهة الأزمات الاقتصادية الكبرى في 1929، وثلاثينات القرن الماضي، و2008، و2020.
التدخلات الحكومية الواسعة، تحت شعار «افعل شيئاً ما»، كثيراً ما أطالت أمد الأزمات، بل وخلقت أزمات جديدة من الأساس. ومن هذه الزاوية، قد يكون الكونغرس، من دون قصد، قد حدّ من هذا الاندفاع نحو التدخل، عبر تضييق هامش المناورة المالية. وإذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام تحول يستحق التأمل.
بعد كل ذلك، يمكننا الانتقال إلى الأزمة الحقيقية، وهي ببساطة، غياب أزمة الدين. والأصعب أنها أزمة غير مرئية.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
