تابع قناة عكاظ على الواتساب
حتى في أكثر شطحات المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية وفي علم السياسة، بصفة عامة، لا يمكن أن يُعزى السلام لمتغيّر القوة، وحده. في كل الأحوال: القوة هي أداة مادية عنيفة مرجعيتها في الطبيعة أنها أداة للتوازن، وليست حركة مادية لإحداث التوازن، ومن ثَمّ سيادة السلام. القوة، في النهاية: هي ليست غاية، في حد ذاتهأ، بل وسيلة لتحقيق السلام، الذي هو في أجلّ حالاته تحقيق التوازن في الطبيعة، من أجل إعمار الكون. حتى الكوارث الطبيعية العنيفة، التي ليس للإنسان دخلٌ فيها مثل: البراكين والزلازل والعواصف والطوافين، وحتى الانقراضات الكبرى، هي دلائل على حياة كوكب الأرض، لإحداث طفرات بيولوجية وتضاريسية وجيولوجية، تساعد على جعل الحياة نفسها أكثر ملائمة لاستمرارها وتطورها وتحسينها، على كوكب الأرض، بجغرافيته الصخرية من اليابسة والماء، يحمي الأرض ويحفظ توازن حركتها الفلكية، غلاف جوي يسقفها ومجال مغناطيسي كفء، ينضم تعاقب الليل والنهار عليها، ودورانها المنتظم في محورها حول الشمس.
إذن: السلام هو الحالة الطبيعية، لازدهار الحياة على كوكب الأرض، بينما حركة القوة، سواءً كانت مصطنعة بفعل ما يُزعم من طبيعة الإنسان الشريرة.. أو بسبب تطوّر الحياة الطبيعية، بفعل حركة العنف الذاتية، في حياة كوكب الأرض، إنما هي أداة للتوازن أو إعادة التوازن للحياة على ظهر البسيطة، وليست القوة، في حد ذاتها حركة عنف سرمدية، تشكّل القاعدةّ والغاية، في حد ذاتها، لتفسير طبيعة الحياة على كوكب الأرض.
من يزعم أن السلام لا يأتي إلا عن طريق القوة، فهو لا يتحدث عن سلام مَنْ خلق الكون، ولا عن السلام الحقيقي، الذي يعكس حالة التوازن الطبيعية للحفاظ على الحياة على كوكب الأرض (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) مريم: 40.
التاريخ، يحدثنا، أنه لم يحدث أن تمكّنت قوة بعينها، أن فرضت سلامها على الأرض، بصورة شاملة، لفترة طويلة. الإسكندر الأكبر بلغت يومها إمبراطوريته مشارق ومغارب العالم حينها، ولم تمكث حتى يبلغ الثلاثين من عمره. بريطانيا العظمى، التي أوجدت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس (العهد البريطاني 1815- 1914)، لم تصمد لأكثر من مئة عام. هتلر الذي زعم أن رايخ الثالث سيمكث ألف سنة انتحر على أنقاض عاصمة الرايخ الثالث، في يوم ميلاده السادس والخمسين.
الولايات المتحدة، التي تزعمت العالم، لثمانية عقود، ترتكز شرعية هيمنتها الكونية، بعد الحرب العالمية الثانية، على حرية التجارة العالمية، في بحار العالم، وعبر المضايق المائية، الطبيعية منها والاصطناعية. قارن هذا بما كانت بريطانيا تفعله لحماية عهدها الكوني، عندما أرسلت قوات لفتح طريق الرجاء الصالح مرتين (حرب البوير الأولى 1880 – 1881 حرب البوير الثانية 1899 – 1902). في ثمانينيات القرن الماضي أرسلت المرأة الحديدية رئيسة وزراء بريطانيا المحافظة حينها مارجريت تاتشر (1925 – 2013) أسطول بلدها لفرض سيادتها على جزر الفوكلاند القاحلة، بعد احتلالها من الأرجنتين، فيما عُرف بحرب الفوكلاند، التي استمرت لـ 74 يوماً، (2 أبريل – 14 يونيو 1982)، حينها كانت لندن في ذلك الوقت تفكر في تقليص قوتها البحرية الضاربة، ونسي العالم حينها لقب بريطانيا العظمى. الفارق هنا بين القوتين العظميين: أن الولايات المتحدة عملت طوال فترة هيمنتها الكونية، في عهد الأمم المتحدة الحالي، على جني امتيازات مكانة الهيمنة الكونية، دون أن تدفع تكاليف المكانة الكونية الرفيعة هذه التي تتبوؤها، بينما كانت بريطانيا العظمى، لم تكن تبخل الإنفاق على عهدها الكوني، الذي استمر لقرن من الزمان.
السلام الحقيقي لا يتحقّق إلا عن طريق نهج الطبيعة الإلهي المتوازن. سلامٌ لا يكون فرضه عن طريق غطرسة القوة.. سلامٌ لا يكون فيه استسلام لطرف في الصراع. سلامُ الأنداد لا الأضداد.. سلامٌ يضع حداً لإغواء القوة الغاشمة، لا الاستسلام لإغراء وغشومية القوة الباطشة. السلام الحقيقي هو ذلك السلام القائم على الديمومة النسبية، على الأقل، حتى تختل معادلة التوازن بين أطراف الصراع من القوى العظمى. السلام الحقيقي هو سلامٌ بين أحرار، سلامٌ دائمٌ، لا استسلاماً قسرياً، تتولد عنه حروب أكثر عنفاً وأشد ضراوة، عاجلاً أم آجلاً.
لا بديل عن السلام الحقيقي، الذي يساهم في إعمار الكون.. ويحفظ للطبيعة توازنها وازدهارها، ويحقق استقرار الحياة وتطورها وصمودها، ويحقق إرادة الله في سيادة الحق والعدل صوناً لكرامة الإنسان.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
