تابع قناة عكاظ على الواتساب
مثل ما ينشغل ربُّ أسرة صغيرة، يومياً بقوت عياله، ويجول في الأسواق لاستجلاب الرزق، مما سهّل الرحمان؛ وما أغرى به الشيطان؛ وهكذا طبع الإنسان؛ ولقمة العيش (عند البعض) لا تخضع لمعيار الحلال والحرام، بل معيارها الحرفنة والمهارة، بصرف النظر عن الحِلّيَة من عدمها، علماً بأن في الاعتماد الكُلي على القدرات خللاً عقائدياً؛ فالأرزاق كفلها الله للكل؛ وجعل في الأرض معايش (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين)، كما أن في الاعتزاز بالمواهب والفهلوة واستباحة مال الغير دون وجه حق؛ مغالطة أخلاقية؛ إذ إنه غالباً ما من نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حقٌّ مُضيّع، كما قال الإمام علي رضي اللهُ عنه وكرّم وجهه.
وعالم السوق الذي نشهده اليوم، لم يكن بهذا التغوّل منذ نشأته، أو تشكّله؛ فهو وُلد تقليديّاً، بمقايضات بسيطة، ثم انتقل إلى بيع وشراء، وأخذ وإعطاء، ثم تطوّر الأمر إلى إقراض، ثم تمويل بفوائد، ثم تحوّل التاجر البسيط إلى مؤسس شركة، والشركة فتحت باب المساهمات، والمساهمات حقّقت الأرباح، وتجاوزت كل ما له جانب عقائدي، أو أخلاقي؛ وطوت أدبيات التعامل، تحت إبط (دعه يعبر دعه يمرّ).
وجدتُ مقولةً للرئيس الأمريكي الثاني والثلاثين (روزفلت) تؤكد على (ضرورة أن يتوحد عمل التجارة العالمية، وألا يتسبب أي إخفاق في عوق الحياة الاقتصادية، في كل بقاع المعمورة)، وهذا في الأربعينيات من القرن الماضي. والملاحظ منذ دخول الألفية الثالثة أن العالم تحول إلى شركة عملاقة، ذات مقرات رئيسية؛ وفروع طرفيّة؛ ذات أقسام وتخصصات ومهام عدة، ولأنه لا شركة ناجحة إلا بمجلس إدارة محترف، ولا إدارة محترفة إلا برأسمال محفّز، ولا رأسمال إلا بتمويلات ضخمة، فلابد من تشريعات تخدم الغاية القصوى للشركة، فيما تتمثل التحديات في نوعية الموظفين والموظفات، وهوى ورزالة وصلافة بعض العملاء والعميلات، ولذا تنتهج الشركة مرونة وجلافة لتغيير السوق، أو استبدال المنتجات، أو تغريم وتبديل العملاء.
والغالب على الظن؛ بأن العالَم تحوّل فعلياً إلى شركة، له حيثيات ومبررات، منها أن الأرقام غدت اللغة الغالبة على لسان السياسيين، فعقد الصفقات هاجس متجدد، ورفع الأسعار من لوازم تفادي الخسائر، وتعزيز الرساميل أمان للمستقبل، والتوسع في النشاط بفتح المزيد من الأسواق، يسهم في سرعة استهلاك منتهي الصلاحية.
ومن أخطر أقسام الشركة (الدعاية والإعلان) ثم (إدارة التسويق والمبيعات)، فأحياناً الشركة تبيع كلاماً، أو مواقف؛ ولخدمة العملاء فضل امتصاص وتنفيس ردود الأفعال، بعيداً عن سمع وبصر العضو المنتدب، أو المدير التنفيذي، الذي ينبغي المحافظة على نفسيته ومشاعره ولياقته ومزاجه ومحفظته.
هناك فضاء واسع؛ لا ناقة له ولا جمل فيما حدث ويحدث؛ وبحكم أن تفكيره منصب على ما يأكل ويشرب ويلبس؛ فالشركة تلبّي تطلعاته، وتحقق أحلامه الغريزية، ولا تبخل على نهمه؛ بل تحوّل كل ما هو قابل للتدوير إلى طعام وشراب ومتعة، وإن عبّر عن امتعاض ما؛ فلأنه أكل ما لم تتعوّد معدته عليه، أو لبس ما ليس على مقاسه، أو ارتدى ما يتنافى مع الذوق العام، وانتهك بروتوكول اللباقة الجمالية.
ولا تتأثر سياسات الشركة بسخط العمال، ولا باحتجاجات الزبائن، ومن مصلحة الشركة بين حين وآخر، افتعال إشكاليات، لرفع أسعار أو تخفيضها، ولا خلاف على أن الصوت الأقوى في مجلس إدارة الشركة، من نصيب مالك الحصص الأكبر من الأسهم، وبحسب حصته يؤثر في قرارات الإدارة، ويضيف ويحذف، ويجمّد ويُرقّي، ويُدني ويُقصِي.
مؤكد أن العالَم الشركة لا يقبل أن يخسر، وهو معني بالتعويض، وتقليل المخاطر، وتفادي الإشكال، وتحسين السُّمعة، ولا ريب أن الموظفين والموظفات المهرة يتبوؤون منزلة رفيعة، وهم محل التقدير، ولهم أولوية في الترقيات، خصوصاً الذين يحققون المستهدفات، ويرفعون نسبة الإنتاجية، ويلتمسون العذر للرئيس؛ ولا غنى للشركة عن التعامل مع قراصنة ولصوص وسماسرة، بالمجافاة تارة وبالمحاباة تارات، وأحياناً بالمواجهة الشكليّة أو الفعليّة، إذ لا تسمح شركة قوامها على مداخليها أن يعطّلها أو يعبث بها أو يتطاول على نظامها وآليات عملها؛ كائن من كان.
وعندما يغدو العالَم سوقاً أو شركة، غايتها المكاسب المالية؛ والربحية المستمرة، يتراجع خطابها المثالي، ويسقط إعلامها الذي طالما سوّق لعنايتها بالحقوق، وكفل حياة كريمة لكل عضو وموظف ومستفيد ومساهم. ومن الطبيعي أنه كلما غدا العالم شركة؛ أن ترتفع أسعار أسهمها؛ ويزيد تمويلها؛ وتتسع أنشطتها؛ وتتضاعف مواردها؛ وكلما تضخمت؛ تضاءلت مكانة الإنسان، إن لم يتحوّل نفسه إلى سلعة؛ بخسة الثمن.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
