عرب وعالم / السعودية / عكاظ

سقوط أمجد يوسف... وبداية محاكمة الذاكرة السورية..

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة أو كوقائع أمنية عابرة، بل هو أقرب إلى لحظة كثيفة تختصر مساراً كاملاً من الألم والانتظار والشكوك، لحظة تعيد طرح السؤال الأعمق في الوعي السوري: هل بدأ قطار العدالة أخيراً بالتحرك، أم أننا أمام ومضة عابرة سرعان ما تخبو؟ إن إلقاء القبض على أمجد يوسف، المرتبط رمزياً وفعلياً بجريمة حفرة التضامن التي تحوّلت إلى واحدة من أكثر الصور قسوة في الذاكرة السورية المعاصرة، لا يمثل مجرد إنجاز أمني، بل يشكّل لحظة نفسية فارقة، لحظة يتنفس فيها المجتمع شيئاً من الشعور بأن الدم الذي سُفك لم يُطوَ إلى الأبد، وأن الذاكرة التي حاول البعض دفنها لا تزال قادرة على استدعاء أصحابها إلى قفص المساءلة. هذا الحدث، بكل ثقله، جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تراكمت لدى قطاعات واسعة من السوريين مشاعر القلق من أن مسار العدالة الانتقالية قد دخل في حالة جمود، أو ربما تم تأجيله إلى أجل غير مسمى، وأن السنة والنصف الماضية لم تحمل سوى وعود بلا أثر فعلي، ما جعل لحظة الاعتقال تبدو وكأنها كسر لحالة السكون، أو حتى صدمة إيجابية تعيد إحياء فكرة أن العدالة، وإن تأخرت، لم تمت. غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في بعدها المباشر، بل في رمزيتها العميقة، فـأمجد يوسف ليس مجرد شخص ارتكب جريمة، بل هو تجسيد لمرحلة كاملة، لآلية عمل، لمنظومة سمحت بأن تتحوّل حياة الناس إلى مادة قابلة للإبادة بلا حساب، ولذلك فإن اعتقاله يتجاوز شخصه ليصبح بمثابة تضييق للخناق على إرث النظام السابق، ومحاصرة متأخرة لثقافة الإفلات من العقاب التي حكمت تلك المرحلة. هذه الرمزية تتعزز أكثر حين نضعها في سياق محاكمة عاطف نجيب، الاسم الذي يحمل بدوره دلالات سياسية وعائلية معقدة، باعتباره قريباً من بشار الأسد، ما يجعل من محاكمته إشارة واضحة إلى أن الدائرة تضرب النواة الصلبة للسلطة السابقة، وأن المساءلة لم تعد محصورة في المنفذين الصغار أو الأدوات الثانوية، بل بدأت تلامس البنية التي أنتجت هذه الجرائم وأدارتها. في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه التطورات عن سؤال التوقيت والدلالة السياسية، إذ تبدو هذه الخطوات وكأنها محاولة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، أو على الأقل مع فكرة الدولة، عبر تقديم إشارات ملموسة بأن العدالة ليست مجرد شعار، وأن هناك إرادة – حتى وإن جاءت متأخرة – لفتح الملفات الثقيلة التي ظلت مغلقة. لكنها في الوقت ذاته تضع هذا المسار أمام اختبار صعب، لأن العدالة الانتقالية لا تُقاس باعتقال فرد أو محاكمة اسم، بل بقدرتها على التحوّل إلى مسار متكامل ومستمر، يشمل كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين على مختلف مستوياتهم، وتعويض الضحايا، والأهم من ذلك إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس جديد لا يسمح بتكرار ما حدث. إن ما يحدث اليوم يحمل مزيجاً معقداً من الأمل والحذر، من الارتياح المشوب بالريبة، فالسوري الذي رأى تلك المشاهد القاسية قبل سنوات، وعاش طويلاً مع شعور العجز، لا يستطيع بسهولة أن يسلّم بأن العدالة قد بدأت فعلاً، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع إنكار أن شيئاً ما قد تغيّر، وأن هناك إشارات – مهما كانت محدودة – على أن الزمن قد بدأ يدور في اتجاه مختلف. وبين هذين الشعورين، يتشكّل المعنى الحقيقي لهذه اللحظة: ليست نهاية الطريق، ولا حتى بدايته الواضحة، بل ربما هي أول اهتزاز جدي في جدار طويل من الصمت، وأول اختبار حقيقي لإرادة تحويل الألم إلى مسار قانوني، والذاكرة إلى قوة تدفع نحو مستقبل لا تُدفن فيه الجرائم، بل تُحاكم، ولا يُنسى فيه الضحايا، بل يُنصفون، ولو بعد حين.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا