لاكتشاف النفط في شرق المملكة العربية السعودية قصة طويلة مشوقة، مليئة بالتحديات والمفاجآت والإرهاصات، وتعكس فصولها حكايات ملهمة وجهوداً ملحمية جديرة بأن تروى للأجيال الجديدة عن ثلة من الجيولوجيين الأمريكيين الذين أرسلتهم «شركة ستاندر أويل أوف كاليفورنيا» (تغير اسمها منذ يناير 1944 إلى شركة الزيت العربية الأمريكية/ أرامكو) إلى الصحراء السعودية القاحلة في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين، للبحث عن النفط بموجب اتفاقية الامتياز التي حصلت عليها الشركة من الحكومة السعودية في 29 مايو 1933، وحددت مساحة المنطقة المستحوذ عليها لأغراض التنقيب بنحو 371,263 ميلاً مربعاً من الأراضي الصحراوية.
أحد أوائل الأمريكيين، بل أولهم، من الذين قبلوا التحدي فتركوا بلادهم الخضراء الباردة وحياتهم العصرية المتمدنة ورفاهيتهم المعيشية، وجاؤوا إلى صحراء الجزيرة العربية للعمل تحت لهيب الشمس الحارقة والإقامة داخل خيام في معسكرات بدائية هو الجيولوجي «شويلر بي كروغ هنري»، الشهير باسم «كروغ هنري»، الذي نستعرض هنا سيرته وجهوده الاستكشافية وكيفية تأقلمه مع حياة الصحراء، خصوصاً أنه يلقب «راعي الأوّله»، كونه الأمريكي الأول الذي وصل إلى الظهران وأقام بها، وأول من قام بفحص قبة الدمام الجيولوجية التي لاحظها الجيولوجيان الأمريكيان «فريد ديفيز» و«وليام تايلور» من البحرين سنة 1930، وقالا إنها تشبه البنية القبوية الكلاسيكية التي أثبتت جدواها لجهة اكتشاف الزيت في جزيرة البحرين، وأول من حدد مواقع حفر الآبار في الظهران (بما فيها بئر الدمام رقم 7 التي شيد في مكانها ركام من الصخور كعلامة على أنها المكان الأنسب لحفر البئر الأولى)، وساهم في أعمال المسح والبحث الأولى وتحديد التراكيب الجيولوجية الواعدة التي قادت إلى اكتشاف النفط في شرق السعودية في عام 1938، وأول من رسم أول خريطة جيولوجية للمنطقة الشرقية باستخدام كاميرا مسح ضخمة من تلك التي تركب في طائرات المسح الجوي. وهو من ناحية أخرى، أول أمريكي في تاريخ شركة أرامكو يأتي بزوجته وطفلته للإقامة في الظهران. ولهذا كله، فإن اسم «كروغ هنري» يتكرر ذكره في سياق تاريخ التنقيب عن النفط في السعودية، بل إن البعض يصفه بمؤسس مدينة الظهران الحالية.
نستعين في توثيق سيرته بما كتبه غيث الشايع في صحيفة «اليوم» السعودية (25/5/2025)، وبمواد متفرقة منشورة عنه في مطبوعات أرامكو الإنجليزية، وبشيء مما أورده رئيس أرامكو السابق «توماس بارقر» في كتابه «تحت القبة الزرقاء، رسائل من العربية السعودية».
في الثالث والعشرين من سبتمبر 1933، وصل أول فريق من «شركة ستاندر أويل أوف كاليفورنيا» مكون من أمريكيين اثنين (زاد عددهم تدريجياً إلى عشرة أشخاص فيما بعد) إلى ساحل الجبيل، قادمين من البحرين التي كان النفط قد اُكتشف فيها قبل نحو عام من ذلك التاريخ، ليجدا نفسيهما وسط صحراء قاحلة لكن معتدلة الحرارة (في تلك الفترة من السنة على الأقل)، وقابلة للعمل في ظلها والقيام بأعمال البحث والمسح الميدانية.
بدأ الرجلان الملتحيان «روبرت بيت ميلر» و«شويلر كروغ هنري» عملهما، حتى قبل أن يمتلك فريق العمل مكاتب أو مختبرات أو مساكن ثابتة. إذ لبسا الثياب العربية مع الكوفية والعقال، وانطلقا في ديسمبر 1933 في سيارة فورد إلى الصحراء، غير آبهين بوعورة الطريق والكثبان الرملية والمستنقعات. هذا الفريق الصغير، لم يكن بمعيته آنذاك سوى شاحنة صغيرة وبعض الأدلاء البدو ونفر من الحراس وطاهٍ وميكانيكي ومترجم، لكن الوضع تغير بعد أن انضم جيولوجيون أمريكيون آخرون، ووصلت بعض معدات المساحة والقياس من الولايات المتحدة والبحرين، إذ تضاعف عدد المرافقين والخدم والحراس والمترجمين والطهارة والميكانيكيين والمساعدين، وتمّ استخدام قافلة من الجمال لحمل الأشخاص والأمتعة المكونة من الأجهزة والخيام والحصائر والأسرة والمقاعد القابلة للطي والطعام وأدوات الطهي والمواقد وعبوات البنزين وقِرَب مياه الشرب النظيفة، وإطارات احتياطية وقطع غيار للسيارات، وغيرها. وفي هذه الفترة أيضاً اختير قصر برزان بمدينة الجبيل كمقر إداري لشركة الزيت، ولهذا شهدت الجبيل في مارس سنة 1934 أول هبوط لطائرة في تاريخها وتاريخ شرق السعودية، وكانت من نوع «فيرتشايلد 17» للاستخدام في أعمال المسح والتصوير الجوي، كما اختير منزل من منازل عائلة القصيبي الثرية في الهفوف كمقر فرعي للشركة.
سارت الأمور على ما يرام حتى حلول يونيو 1934، الذي توقف فيه العمل بسبب حرارة الشمس وبدء فصل الصيف، حيث تعرف فيها الأمريكيان ميلر وهنري لأول مرة على مدى سطوة شمس صحراء الجزيرة العربية. هنا قررا أن يأخذا قسطاً من الراحة، فكان أن وقع اختيارهما على لبنان لتمضية الصيف قبل العودة لمواصلة عملهما. وفي لبنان أقاما بفندق تاريخي فخم في أحضان الطبيعة الساحرة اسمه فندق القاصوف ببلدة ظهور الشوير الواقعة في قضاء المتن. وفي هذا الفندق التقى «كروغ هنري» أثناء تناوله الطعام بفتاة أحلامه التي كانت شابة لبنانية تدعى «أنيت»، من مواليد بورسعيد في عام 1915، وذات نشأة بيروتية، وتجيد التحدث باللغات العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية، عدا الإنجليزية التي تعلمتها فيما بعد. وبينما كان زميله «بيت ميلر» يستعد للسفر من بيروت إلى لندن لترتيب شحن بعض الإمدادات الضرورية إلى الظهران، كان «كروغ هنري» مشغولاً بالفتاة اللبنانية التي سحرته من أول نظرة، والتي ستغير حياته، وسيغير هو حياتها بالتأكيد.
تحدث الروائي والقاص والمؤرخ والناشط البيئي الأمريكي المعروف «والاس ستيغنر» (1909 ــ 1993) في كتابه الموسوم «ديسكفري، البحث عن البترول العربي» عن لحظة لقاء هنري باللبنانية أنيت فوصفها قائلاً: «لو أن الفتاة حملت شحنة كهربائية بقوة 6,600 فولت، لما شلّته أكثر».
جملة القول، إن قصة الإعجاب والحب بين الطرفين سرعان ما انتهت بعقد قرانهما في بيروت، لتبدأ بعدها بعدة سنوات رحلة أنيت إلى شرق السعودية، حيث كانت شاهدة مع زوجها على واحد من أعظم اكتشافات الطاقة في القرن العشرين، وإحدى ملاحم تحويل الصحراء القاحلة إلى ورشة عمل وبناء لا يهدأ هدير آلاتها ومكائنها طوال ساعات النهار.
لم تكن الظهران وقتذاك كما هي الآن. إذ إنّ قلة المساكن وانعدام المدارس وتواضع مقومات الحياة، وافتقاد الرفاهية والأنشطة الاجتماعية والترويحية كانت من أسباب تأخر التحاق أنيت بزوجها. لكن في يونيو من عام 1936، وصلت أولى الوحدات السكنية المكيفة إلى الظهران، بعد أن تمّ شحنها من الولايات المتحدة بحراً، فكانت تلك الوحدة المكيفة هي الأولى من نوعها في المنطقة الشرقية، وكان الحدث مهماً لكروغ هنري تحديداً، لأنه سيمكنه من تمضية فصل الصيف في الظهران لمواصلة أعمال التنقيب، وسيسرّع في لمّ شمله مع أسرته الصغيرة. وهذا ما حدث بالفعل. إذ سرعان ما وصلت زوجته أنيت من بيروت إلى البحرين جواً، ومن الأخيرة انتقلت بحراً إلى فرضة الخبر في أبريل 1937، وبصحبتها طفلتهما الصغيرة، «ماري لو هنري»، لتسجل اسمها في وثائق أرامكو وصناعة الزيت كأول زوجة أمريكية تلتحق بزوجها في الظهران، بل كأول عنصر نسائي أجنبي يسكن الظهران، ولتصبح «ماري لو» أول طفلة أمريكية داخل مجتمع أرامكو.
ومما لا شك فيه، أن حياة الزوجية والاستقرار جعلت كروغ هنري ينصرف بحماس أكبر نحو الهدف الذي جاء من أجله، بل وجه كل طاقته ووقته نحو ذلك، متخلياً حتى عن إجازاته الصيفية إلى الخارج، خصوصاً أن أرباب عمله في الولايات المتحدة كانوا ينتظرون منه ومن فريقه أخباراً مفرحة تعوضهم عما استثمروه من مبالغ طائلة في الصحراء السعودية، وما تعرضوا له من أضرار اقتصادية بسبب الكساد الاقتصادي العالمي آنذاك.
بئر الخير
وهكذا، في أقل من أربع سنوات، ومن بعد محاولات مضنية ومتعددة ورسم خرائط وتحديد أماكن معينة للحفر والتنقيب، وقدوم مجموعات جديدة من الجيولوجيين والفنيين الأمريكيين لمساعدة فريق التنقيب الأول، تدفق النفط بكميات تجارية من «بئر الدمام رقم 7» (بئر الخير) في 4 مارس 1938، ليكون الحدث إيذاناً بتغير وجه وحياة بلاد وأمة بأكملها.
في الظهران عاصر هنري، الذي كان قد عمل سابقاً مع «شركة ستاندر أويل أوف كاليفورنيا» في أدغال فنزويلا وأحراشها، وعاش لمدة عام واحد في البحرين، تعلم خلالها العربية الدارجة وبعض العادات العربية، قبل وصوله إلى الجبيل، ظروف الحرب العالمية الثانية وحيداً، لأنه خشي من احتمال تعرض منشآت النفط لغارات إيطالية على نحو ما حدث لمصافي النفط في البحرين سنة 1940، وبالتالي تعرض زوجته وابنته لأذى نفسي، فأبعدهما إلى القاهرة، حيث عملت زوجته في مكتب شركة أرامكو في العاصمة المصرية. وخلال هذه الفترة تنقل هنري مع أسرته أيضاً بين مصر وكولومبيا وفنزويلا. وبعد انتهاء الحرب، وتحديداً في عام 1948 عاد الزوجان للعمل بشركة أرامكو، لكن مكان إقامتهما وعملهما كان هذه المرة في رأس تنورة، التي عملت بها أنيت معلمة لمادة اللغة الفرنسية لطلبة وطالبات مدارس الشركة، إلى جانب مشاركتها في الكثير من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية المبكرة في رأس تنورة.
آخر المغادرين للسعودية من فريق التنقيب الأول
وبحلول سنة 1957، قرر الزوجان هنري أن يتقاعدا عن العمل، واختارا مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا ليقضيا فيها بقية حياتهما بهدوء، لكن كروغ هنري، الذي كان أحد آخر المغادرين للسعودية من أعضاء فريق التنقيب الأول، توفي في عام 1981 بعد معاناة طويلة مع المرض، ولحقته زوجته أنيت في عام 2002 عن عمر ناهز 87 عاماً. أما ابنتهما ماري لو (ميتزي)، فقد توفيت قبل أمها بعامين. وحينما غادر الزوجان إلى الولايات المتحدة، كانت الظهران قد تحولت من بلدة صحراوية قاحلة إلى مدينة عصرية مكتملة التجهيزات والمرافق، بحدائق غنّاءة وفلل مريحة من الخرسانة المسلحة، يعيش بها الآلاف من الأمريكيين وأسرهم وأطفالهم.
وطبقاً لشهادة «ماري نورتون»، إحدى صديقات أنيت، فإن الأخيرة وقت وفاتها «كانت لا تزال متألقة وحادة الذكاء وعاشقة للحياة دون أن تفقد شغفها أو جمال روحها».
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
