تابع قناة عكاظ على الواتساب
مع كل عيد.. تتحول الهواتف إلى موانئ مزدحمة ترسو فيها آلاف التهاني القادمة من كل اتجاه.. بطاقات أنيقة.. صور براقة.. أدعية جميلة.. وعبارات اجتهد أصحابها في اختيار الخطوط والألوان أكثر مما اجتهدوا في اختيار المتلقين ! وكلما ازداد عدد الرسائل.. ازداد سؤال صغير يتسلل إلى الذهن: كم واحدة منها كُتبت حقاً من أجلي؟ فالفرح لا يأتي من عدد الرسائل التي تصلنا.. بل من الرسالة التي نشعر أنها لم تكن لتُكتب لغيرنا.. أن يقتطع أحدهم دقيقة من يومه.. ويتوقف وسط الزحام.. ثم يكتب اسمه.. اسمه هو.. لا اسم مجموعة.. ولا اسم قائمة.. ولا اسم فئة كاملة من البشر.
ولعل هذا ما يجعل بعض الرسائل تعيش في الذاكرة سنوات طويلة.. بينما تموت أخرى بعد ثوان من وصولها. ليس لأن الأولى أكثر بلاغة.. بل لأنها أكثر صدقاً. فالرسائل المسبقة الصنع تشبه كثيراً الزهور البلاستيكية.. ألوانها زاهية.. وشكلها جميل.. وتصلح للعرض من بعيد.. لكن شيئاً ما ينقصها دائماً.. شيئاً لا تستطيع المصانع إنتاجه مهما بلغت دقتها «الحياة». وكذلك هي التهاني الجماعية.. تصل بسرعة.. وتنتشر بكفاءة.. وتؤدي المهمة بنجاح إداري باهر.. لكنها كثيراً ما تفشل في أداء المهمة الإنسانية ذاتها.. مهمة أن يشعر إنسان بأن أحدهم «خصه» بالتذكار.
ومن طرائف عصرنا أن بعض الناس يقضي وقتاً طويلاً في تصميم بطاقة العيد.. ثم يضغط زر الإرسال الجماعي في أقل من ثانية.. فتنطلق التهاني كالشحنات التجارية..لا تعرف أين هبطت.. ولا من قرأها.. ولا من تجاهلها.. ولا من كان ينتظر كلمة مختلفة فوجد نفسه مجرد محطة عابرة في خط توزيع طويل... وكأن بعض الرسائل لا تبحث عن أصحابها.. بل تبحث عن إبراء ذمة.
ومع ذلك تبقى هناك فئة أخرى من البشر.. أولئك الذين ما زالوا يؤمنون أن العلاقات لا تُدار بخدمة التوصيل السريع.. وأن الود ليس ملفاً يُنسخ ويُلصق.. ولا بطاقة جاهزة للاستخدام.. ولا قالباً محفوظاً منذ عيدين أو ثلاثة.. هؤلاء يكتبون ببطء. ويتذكرون ببطء. ويرسلون ببطء. لكن رسائلهم تصل بسرعة مدهشة إلى المكان الصحيح. إلى القلب. ففي الأعياد لا يفتش الناس عن عبارات جديدة.. العبارات متوافرة بكثرة. ولا يبحثون عن صور أجمل.. فالصور تملأ الشاشات. إنهم يبحثون عن ذلك الشعور النادر.. أن يتذكرهم أحد خارج الرسائل المعلبة.. وخارج خطوط الإنتاج.. وخارج قوائم الإرسال الجماعي.. أن يشعروا أنهم لم يكونوا جزءاً من المناسبة.. بل سبباً فيها.
ولذلك لا تبقى في الذاكرة تلك الرسائل التي مرت بنا ضمن قافلة طويلة من المرسلات.. بل تبقى الرسائل التي توقفت عند بابنا وحده. فالإنسان يمتن لمن هنأه في العيد.. لكنه لا ينسى من تذكره بين الزحام وناداه باسمه.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
