تابع قناة عكاظ على الواتساب
في زيارتي الأولى إلى اليابان عام 2019، لم تكن ناطحات السحاب في طوكيو أول ما استوقفني، ولا شبكات القطارات التي تضرب بها الأمثال في الدقة، ولا حتى ذلك الانضباط الذي يسبق اليابانيين إلى سمعتهم. كانت الملاحظة الأكثر حضورًا، والأكثر إثارة للتأمل، هي أن اليابان مليئة باليابانيين.
قد تبدو العبارة بديهية، لكنها تكتسب معنى مختلفًا عندما يعيشها الزائر. كنت أتجوّل بين أحياء العاصمة، أتنقل في محطات القطار وأمشي في الشوارع المزدحمة، فأجد نفسي وسط بحر بشري متجانس، تكاد تغيب عنه الوجوه الأجنبية. في كثير من المدن الكبرى يصبح التنوع جزءًا من المشهد اليومي، أما في طوكيو فإن الانطباع الأول هو أن المجتمع لا يزال شديد التمسك بهويته، وأن اليابان، رغم انفتاحها الاقتصادي وتقدّمها التقني، ما زالت تحتفظ بمسافة واضحة بينها وبين العالم الخارجي.
وأنا أراقب هذا المشهد، تذكرت قصة صحفي أمريكي كتب قبل سنوات عن مقعد ظل فارغًا بجواره في قطار ياباني مزدحم. لم يكن المقعد خاليًا لأن القطار فارغ، بل لأن الركاب فضّلوا الوقوف على الجلوس إلى جانب أجنبي. تحوّلت القصة إلى نقاش واسع داخل اليابان، ثم عادت صحيفة «جابان تايمز» بعد سنوات لتتساءل: هل تغيّر المجتمع الياباني؟ بدا لي وأنا أتجوّل في المدينة أن الإجابة ليست نعم أو لا، بل إن اليابان تتحرك ببطء، وفق إيقاعها الخاص، نحو قدر أكبر من الانفتاح، دون أن تتخلى عن طبيعتها المحافظة.
ومن الأشياء التي شدّت انتباهي أيضًا احترام اليابانيين العميق للخصوصية. حتى الهواتف الذكية المباعة في اليابان تصدر صوتًا إلزاميًا عند التقاط الصور، فلا يستطيع أحد التصوير خفية. بدا الأمر لي انعكاسًا لفلسفة اجتماعية ترى أن التقنية يجب أن تخدم الإنسان، لا أن تنتهك خصوصيته.
وفي أثناء التجوّل بين الأسواق والشوارع التجارية، لاحظت حضورًا محدودًا للعلامات التجارية الأجنبية مقارنة بما اعتدته في مدن عالمية أخرى. سألت عن السبب، فقيل إن قوانين الاستثمار في اليابان ليست سهلة، وإن الحكومة تعمل على مراجعتها لتشجيع المستثمرين الأجانب. ربما لهذا تبدو الأسواق هنا أكثر يابانية من غيرها، وكأنها تحرص على أن تبقى مرآة للهوية المحلية قبل أن تكون واجهة للعولمة.
ورغم هذا الحضور المحدود للاستثمار الأجنبي، فإن العلاقات السعودية اليابانية تفرض حضورها في أكثر من موضع. يبرز اسم رجل الأعمال السعودي محمد عبد اللطيف جميل بوصفه أحد أبرز المستثمرين الأجانب في اليابان، بينما تمثّل أرامكو السعودية ركيزة مهمة في التعاون الاقتصادي بين البلدين، في وقت تعتمد فيه اليابان على النفط السعودي، فيما أصبحت السيارات اليابانية جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية في المملكة.
كلما طالت إقامتي، أدركت أن فهم اليابان لا يكتمل دون العودة إلى تاريخها. فقد عاشت البلاد قرونًا من العزلة، أغلقت خلالها أبوابها أمام العالم، وحافظت على مجتمعها بعيدًا عن التأثيرات الخارجية. ورغم أن تلك العزلة انتهت منذ زمن، فإن أثرها ما زال حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الطريقة التي ينظر بها اليابانيون إلى أنفسهم وإلى الآخرين.
خرجت من اليابان بانطباع يتجاوز الصور التقليدية عن التكنولوجيا والاقتصاد. اكتشفت أن سر هذا البلد لا يكمن فقط في تقدّمه، بل في قدرته على التمسّك بهويته وهو يفتح نافذة صغيرة على العالم، نافذة تتسع عامًا بعد آخر، لكنها لا تزال تُطل من بيت ياباني خالص.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
