د. محمد الصياد *
أعلن مسؤول في البيت الأبيض يوم الجمعة 20 فبراير 2026، أن الرئيس دونالد ترامب سوف يزور الصين خلال الفترة من 31 مارس إلى 2 إبريل 2026، للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، في خضم حرب جمركية بدأ الرئيس الأمريكي شنها ضد بكين منذ عودته للبيت الأبيض مطلع 2025.
كانت البنوك والمؤسسات المالية الصينية قد تلقت مؤخراً توجيهات الحكومة الصينية بالتخلص التدريجي من سندات الخزانة الأمريكية وعدم الاكتتاب في إصداراتها الجديدة، لذا فإن من المرجح أن يكون الطلب من الرئيس الصيني مواصلة بلاده شراء سندات الخزانة الأمريكية لمنع تقطع دورة الاقتصاد الأمريكي المستمرة بفضل حصولها على التمويل الثابت من المشترين الأجانب، وفي مقدمتهم اليابان وبريطانيا والصين، لسندات الخزانة الأمريكية وأن يكون هذا الطلب على رأس مواضيع جدول الأعمال التي سيناقشها الرئيس ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
يُدرك الفريق الاقتصادي في إدارة الرئيس دونالد ترامب خطورة الوضع الذي يشكله عبء الدين الأمريكي المتراكم، الذي وصل حتى الثالث من ديسمبر 2025، بحسب اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونجرس الأمريكي، إلى 38.40 تريليون دولار، بمعدل 6.12 مليار دولار يومياً، ويبدو أن الحيلة قد أعيت هؤلاء المستشارين الاقتصاديين، وهم يبحثون عن حلول سريعة وغير مكلفة للتخلص من عبء هذا الدين، ومنها خفض سعر الفائدة، أو إدخال عملة مستقرة (Stable coin) مربوطة بالدولار، أو العمل على إحلالها تدريجياً، إلى جانب بعض العملات الأمريكية الأخرى المشفرة، محل عملة (الدولار) التي استنفدت قيمتها الحقيقية بسبب انكشاف أغطيتها الذهبية وغير الذهبية، فكان أن أسدوا النصح للمستوى السياسي الأعلى، بعد أن أقروا باستحالة التهرب من سداد هذا الدين، آخذين في حسبانهم فرضية استمرار متوسط معدل النمو اليومي للاقتراض على مدى السنوات الثلاث الماضية، ليرتفع سقف الدين العام الأمريكي إلى حوالي 39 تريليون دولار بحلول 6 مارس 2026، وإنه بهذا المعدل، سيتم تحقيق زيادة قدرها تريليون دولار أخرى في غضون 157 يوماً تقريباً، بأن يتم العمل على مسارين: ضمان استمرار الدول في شراء سندات الخزانة، وفي نفس الوقت دعوة الجمهور للاكتتاب «طواعيةً» في سداد هذا الدين.
في المحصلة، هناك أربع طرق لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي: زيادة النمو الاقتصادي، والبحث عن مصادر إضافية للإيرادات، وخفض الإنفاق، وتقليل مدفوعات الفائدة من خلال التخلف عن السداد، لكن الحكومة الأمريكية رست على خيار جديد «مبتكر»: جمع تبرعات طوعية من المواطنين (إضافة للضرائب التي يدفعونها) لخفض دينها الوطني، وهو ما أعلنته رسمياً وزارة الخزانة الأمريكية عن طريق مناشدة المواطنين لملء استمارة تحمل اسم «عطايا/تبرعات لخفض الدين»
(Gifts to reduce debt)، للمساهمة في الحملة الوطنية لسداد الدين، بالتبرع عبر إحدى طرق الدفع المبينة في الاستمارة، وهي حساب مصرفي (ACH)، حساب PayPal، حساب Venmo، بطاقة خصم أو ائتمان (Debit or credit card). وبحسب منشورات وزارة الخزانة الأمريكية، فإن قاعدة بيانات «عطايا/تبرعات خفض الدين العام»، سوف تتضمن إجمالي التبرعات الشهرية التي تتلقاها الوزارة، وإن هذه التبرعات، يمكن أن تشمل الأموال، وسندات الادخار، والأصول والممتلكات التي يمكن بيعها وتسييلها، ويمكن أن تأتي التبرعات من المواطنين الأحياء أو من تركة ووصايا المواطنين الذين توفاهم الله.
هذه بالتأكيد قفزة في الهواء من علو شاهق، وارتداد غير مسبوق في مذهب الاقتصاد السياسي للرأسمالية الأمريكية. فالدولة التي نصّبت نفسها محركاً للاقتصاد العالمي، والتي لطالما ألقت محاضراتها على العالم حول ضرورة التقيد ب«الانضباط المالي»، والتي ما انفكت «تجازي» الدول على «سوء» إدارتها المالية، إذا بها اليوم في وضع من يطلب تبرعات طوعية من مواطنيها لسداد دين يتعاظم على مدار الساعة، فكيف لها بعد اليوم أن تواصل ترويج سياسة التقشف في الخارج والتبذير الإنفاقي في الداخل؟! ثم إن توقيت العملية، لافت بشكل وضّاء، فالحكومة نفسها التي جاءت بأرمادتها إلى الشرق الأوسط لإشعال حرب جديدة، ليس من أجل رفاه مواطنيها، وإنما استجابة لطلب دولة أخرى تتلقى دعماً حكومياً ضخماً مجانياً، كيف لها أن تبرر تدبير الأموال دائماً لشراء الأسلحة من المقاولين المحليين وتمويل الحروب الخارجية، لكن ليس للميزانيات العمومية؟
السؤال الآن: هل ينجح هذا المسعى؟ ربما، وربما لا. سنناقش ذلك في المساحة المقبلة.
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
