عرب وعالم / السعودية / عكاظ

بين الواقعية الأمريكية والوهم الإسرائيلي..!

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

تكشف التطوّرات الأخيرة المرتبطة بإعلان الرئيس وجود مسار تفاوضي مع إيران، وما رافق ذلك من تراجع التهديد بقصف منشآت ، عن حقيقة سياسية شديدة الأهمية في مشهد الشرق الأوسط الراهن، وهي أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية، رغم تقاطعهما الواسع في ملفات كثيرة، ليست متطابقة على نحو مطلق، ولا سيما حين تدخل المنطقة مرحلة الحرب المفتوحة والاستنزاف الطويل. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى تدير شبكة مصالح عالمية معقدة، لا تنظر إلى الشرق الأوسط فقط من زاوية الصراع المباشر مع إيران أو من زاوية أمن إسرائيل، بل تنظر أيضاً إلى استقرار أسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وأمن الممرات البحرية، ومكانة الاقتصاد العالمي، وتوازنات القوى الكبرى، وكلفة التورط العسكري المباشر أو غير المباشر في نزاعات تستنزف النفوذ ولا تنتج بالضرورة مكاسب استراتيجية صافية. من هنا يمكن فهم الميل الأمريكي، في لحظة معينة، إلى فرملة التصعيد والبحث عن مخرج تفاوضي يضع حداً للحرب أو يمنع تمددها، ليس تراجعاً عن القوة، ولا انقلاباً على التحالف مع إسرائيل، بل تعبير عن قراءة براغماتية تعتبر أن إدارة الصراع تختلف عن الانجراف الكامل فيه، وأن ضبط النيران قد يكون، أحياناً، أكثر فائدة من توسيعها. في المقابل، تبدو الحسابات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل النهج الذي مثّله بنيامين نتنياهو، أكثر التصاقاً بمنطق القوة المجردة، وأكثر ميلاً إلى تحويل اللحظات العسكرية إلى أدوات لإعادة صياغة الإقليمية على نحو جذري، وكأن الشرق الأوسط يمكن أن يُعاد تشكيله بالكامل عبر الحروب المتلاحقة، والضربات الوقائية، وتوسيع الجبهات، وإخضاع الخصوم لمنطق الصدمة الدائمة. وهذه الرؤية، مهما بدت جذابة في الخطاب السياسي الإسرائيلي الداخلي، ومهما منحت بعض القوى في إسرائيل إحساساً بالقوة والقدرة على فرض الإرادة، تصطدم في الواقع بجملة حقائق صلبة لا يمكن تجاوزها بالشعارات ولا بالتفوق العسكري وحده. فالمنطقة ليست فراغاً جيوسياسياً، ولا مجموعة وحدات سهلة الكسر يمكن إعادة ترتيبها بقرار أحادي، بل فضاء بالغ التعقيد، تتداخل فيه الدول والمجتمعات والهويات والمصالح الدولية والإقليمية، بحيث تصبح أي محاولة لفرض هيمنة إسرائيلية شاملة على المشرق وما حوله أقرب إلى الطموح الطوباوي منها إلى المشروع القابل للتحقق. إن الحروب قد تدمر، وقد تؤذي، وقد تربك، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة شرق أوسط خاضع بالكامل لإرادة طرف واحد؛ لأن موازين القوى لا تُقاس فقط بما تملكه الجيوش من نار، بل أيضاً بما تملكه المجتمعات والدول من قدرة على الصمود، وبما تفرضه الجغرافيا من حدود، وبما تنتجه السياسة من ردود فعل وتحالفات مضادة. ولذلك فإن أي قراءة موضوعية للمشهد الراهن تقود إلى القول إن إسرائيل ربما كانت تراهن على استمرار الحرب بوصفها فرصة تاريخية لإضعاف إيران إلى أقصى حد، وربما لتغيير طبيعة النظام القائم فيها أو دفع المنطقة كلها إلى الاعتراف بمركزية إسرائيل، إلا أن مسار الأحداث أظهر أن هذه الأهداف، على ضخامتها، ليست سهلة المنال، بل قد تكون أبعد منالاً مما افترضه صانع القرار الإسرائيلي نفسه. فالحرب، عندما تطول، لا تبقى مجرد ساحة لإظهار التفوق، بل تتحوّل إلى اختبار قاسٍ للقدرة على التحمّل، وإلى مساحة تتزايد فيها الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية، ويصبح فيها الإنجاز العسكري أقل قدرة على ترجمة نفسه إلى نصر استراتيجي نهائي. ومن هنا يمكن فهم لماذا قد ترى واشنطن أن وقف الحرب أو احتواءها ينسجم مع مصالحها الكبرى، بينما قد ترى إسرائيل في ذلك إجهاضاً لفرصة كانت تأمل من خلالها فرض وقائع جديدة على المنطقة. إن التباين هنا ليس قطيعة بين الحليفين، وليس انقلاباً في بنية التحالف، بل اختلاف في سلم الأولويات وفي تعريف الممكن والمفيد. الولايات المتحدة تريد شرقاً أوسط لا ينفجر إلى حد يهدّد النظام الدولي ومصالحها الواسعة، أما إسرائيل، في بعض تياراتها الحاكمة على الأقل، فتريد شرقاً أوسط يعترف بتفوقها ويذعن لشروطها ويقبل بوجودها المهيمن. غير أن الفارق بين الهدفين كبير؛ لأن الأول قابل للإدارة والتفاوض والتكييف، أما الثاني فيحمل في داخله قدراً كبيراً من الوهم السياسي. فالهيمنة الكاملة ليست مشروعاً واقعياً في منطقة مثل الشرق الأوسط، والتاريخ القريب والبعيد يقول بوضوح إن هذه المنطقة استعصت على كل محاولات الاحتواء التام، وأن القوى التي ظنت أنها قادرة على إخضاعها بالقوة اكتشفت، عاجلاً أو آجلاً، أن النار التي تُشعلها قد تمتد إلى ما هو أبعد من حساباتها. ولهذا فإن ما يجري اليوم لا ينبغي قراءته فقط بوصفه جولة تفاوض أو تراجع تهديد أو ارتباكاً مرحلياً، بل بوصفه لحظة كاشفة لحدود القوة، وللفارق بين من يريد إدارة التوازنات، ومن يحلم بإلغاء التوازنات نفسها. وفي هذا المعنى تحديداً، تبدو الرغبة الإسرائيلية في مواصلة الحرب وفتح الأبواب أمام شرق أوسط خاضع لإرادتها، رغبة مفهومة في سياق الخطاب الإسرائيلي، لكنها تظل، في ميزان السياسة والواقع، مشروعاً متعذراً؛ لأن المنطقة أكبر من أن تُبتلع، وأعقد من أن تُختزل، وأعصى من أن تُحكم فقط بمنطق السلاح.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا