تلك الأيام خرجت من تقويم العمر، ولم تخرج من القلب، ما زالت تسكننا كضوءٍ خافتٍ يتسلل من نافذةٍ قديمة. نظنّ أنها انتهت، لكنها تعود كلما مرّت بنا رائحةٌ تشبه الماضي، أو صوتٌ قديم، أو ذكرى لا نعرف كيف ابتعدت ثم عادت لتسكننا من جديد.
تلك الأغاني التي كنا نسمعها في طفولتنا، لم تعد مجرد ألحان، بل صارت جسراً ليس بالطويل نعود به إلى الزمن الجميل. ما إن تبدأ حتى تنفتح في الذاكرة أبوابٌ لطالما نسيت نفسها بالإغلاق، وتعود وجوهٌ غابت، وأيامٌ كانت أكثر صفاءً وهدوءاً.
وتلك الأفلام الكرتونية التي جمعتنا حول شاشةٍ صغيرة، كانت تصنع لنا عالماً أوسع من الواقع. كنّا ننتظرها بفرحٍ صادق، ونعيش معها الدهشة والضحك، ونؤمن أن الخير ينتصر دائماً، وأن العالم يمكن أن يكون أبسط مما هو عليه.
وتلك الطرق التي مررنا بها صغاراً، كانت تحفظ خطانا كما تحفظ الأرض أثر المطر. كنا نركض فيها بلا خوف، نحمل أحلاماً أكبر من أعمارنا، وقلوباً لا تعرف ثِقل الأيام. اليوم فقط ندرك أن أجمل ما فيها لم يكن الطريق، بل نحن حين نسير فيه.
الأبنية التي كبرنا فيها، لم تكن جدراناً وسقوفاً، بل كانت معنى الأمان الأول. بين غرفها تعلّمنا الفرح والحزن، وفيها تجاوزنا المراحل دون أن نشعر، رحلنا عنها وبقي في زواياها منا أشياء.
والمحلات الصغيرة خلف الشارع، كانت جزءاً من طفولتنا البسيطة. نذهب إليها بقلوب ممتلئة بالتشوّف والشوق، ونرجع وكأننا امتلكنا العالم. لم تكن الأشياء كبيرة، لكن غبطتنا بما نلناه كبيرة بما يكفي لإسعاد الكون.
المزارع الأثيرة لعبنا فيها، كانت مساحةً مفتوحة لأرواحنا الصغيرة. نركض بين أشجارها، نضحك بلا سبب، نغنّي بصوتٍ طفولي أعرفه جيداً. وإذا جاء المطر نندفع لنبتل ونلين، فنزداد بهجةً واندفاعاً، وكأن السماء تبارك البلل واللين للإنسان الطين.
الماضي لا يعود، ولا يختفي تماماً. يظل فينا ما يجعلنا نستعيده، باعتباره أشبه بهدية عيد ننام بها تحت رؤوسنا ونخشى أن نصحو فلا نجدها.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
