في عالم الشعر الحداثي حيث الكلمة لا تقال لكي تفهم ببساطة، بل لكي تُعاش بكل تعقيداتها، تُعدّ «المخاتلة» أو ما يُعرف بالمراوغة ركيزة أساسية في بنية القصيدة الحداثية؛ لأنها ببساطة فنّ عدم قول الشيء مباشرة، أو جعل النص ينزلق من بين أصابع القارئ كلما ظن أنه أمسك بخيوط معانيه النهائية.
والمخاتلة في الشعر ليست خداعاً للقارئ، بل هي استراتيجية فنية تعتمد على الابتعاد عن التقريرية كما في الشعر التقليدي؛ في الحداثة يراوغ الشاعر عبر:
1-اللغة الاحتمالية: باستخدام مفردات تحتمل أكثر من تأويل.
2-كسر التوقع: البدء بفكرة ثم الانحراف بها فجأة نحو مسار غير منطقي أو سريالي، مما يحدث صدمة شعورية وفكرية، وهذا الأسلوب يولد تفاعلاً عميقاً، ويجبر المتلقي على إعادة قراءة النص لاكتشاف ما خفي من معانيه، أو التأمل في صوره المبتكرة، ويعتبر (جون كوهين) المخاتلة أو الانزياح أساساً للشعرية الحديثة كما طرحها في كتابه (بنية اللغة الشعرية)، لأن الشعر هو انحراف عن المعيار النثري العادي ولا بد فيه من كسر أفق الانتظار وخلق صدمة معرفية وجمالية تتجاوز المألوف وتولد لغة شعرية مجنونة أو مبتكرة تخرج عن النمط التقليدي، وللأمانة أيضاً فإن صاحب (نظرية الصدمة) في سياق الحداثة الشعرية العربية هو الشاعر والناقد السوري (علي أحمد سعيد)، وقد بلورها بشكل أساسي في كتابه الشهير (صدمة الحداثة)، فالحداثة في عُرفه ليست مجرد تجديد شكلي، بل صدمة تدمر الأشكال التراثية والقوالب الفنية التقليدية، هي فعل حرية يتجاوز الثابت والمتحول في الثقافة؛ بهدف خلق لغة شعرية جديدة، والخروج من نظام الاتباع إلى آفاق الإبداع.
3- التكثيف والغموض: تقليص الروابط المنطقية بين الجمل، مما يجعل المعنى يخاتل القارئ ويختبئ خلف البياض.
لم يذهب الشعراء مثل (أدونيس، محمود درويش، أنسي الحاج، بدر شاكر السياب والماغوط) إلى هذا الأسلوب عبثاً، بل كانت لهم دوافع قوية، أولها: الهروب من الرقابة، في ظل ظروف سياسية واجتماعية ضاغطة أصبحت فيها المخاتلة قناعاً يحمي الشاعر، حيث يمرّر أفكاره الثورية أو الناقدة عبر الرمز والإشارة بدلاً من التصريح والمباشرة، ثانيها: قصور اللغة العادية عن الوفاء بالغرض، فالحداثيون يرون أن اللغة اليومية المستهلكة لم تعد قادرة على استيعاب تجاربهم الوجودية المعقدة، لذلك لا بد من مخاتلة اللغة القديمة لخلق أخرى جديدة. ثالثها: التمرُّد على النمطية بتحطيم القوالب الشعرية الجاهزة (العمودية والخطابية) التي كانت تعطي إجابات مباشرة وجاهزة.
لماذا يريد الشاعر أن يراوغ قارئه؟ يبدو أن الغايات أعمق مما يبدو للقراء والمتلقين المبتدئين، فالشاعر يريد إشراك القارئ وتحويله من مجرد متلقٍّ سلبي إلى متلقٍّ شريك في صنع النص، فعندما يراوغ النص قارئه، يضطر هذا الأخير إلى بذل جهد ذهني لتفكيكه، وبذلك يصبح القارئ منتجاً ويساهم في ديمومة النص، النصوص الواضحة تموت بمجرد فهمها، أما تلك المخاتلة والمراوغة فتكتسب التجدد، وفي كل قراءة تلبس ثوباً مميّزاً، لأن المعنى فيها غير ثابت بل هو سيرورة يشبه الحياة الحديثة المعقدة والمتناقضة، وغير واضحة المعالم؛ شعر المخاتلة هو انعكاس لهذا الضياع وتجسيد لهذا القلق الوجودي الذي يعيشه الإنسان المعاصر؛ باختصار شديد:
المخاتلة هي لعبة ذكاء وجمال تجعل من القصيدة متاهة ممتعة، الهدف منها ليس تضليل القارئ، بل منحه حرية التأويل.
يعتبر الشاعر محمود درويش (سيد المخاتلة الجمالية)، فقد انتقل من مرحلة الشعر المباشر في بداياته (سجل أنا عربي) إلى مرحلة الحداثة العالية التي أصبحت فيها القصيدة كياناً مراوغاً يرفض أن يكون مجرد منشور سياسي، لهذا لجأ إلى المخاتلة في شعره الثوري؛ فدمج صورة المرأة بصورة الأرض، حتى أن القارئ العابر قد يعتبر القصيدة غزلاً، لكنّ المتأمل يكتشف أنه يخاطب وطناً، فالمخاتلة هنا تجعل الثورة فعلاً إنسانياً عاطفياً، لا مجرد شعارات خشبية.
في قصائده الثورية المتأخرة توقف درويش عن تسمية الأشياء بمسمياتها، فجعل المخاتلة تكمن في الصراع بين الحب (ريتا) والحرب (البندقية)، ووظف المخاتلة في الرمزية الأسطورية، فاستعار شخصيات مثل: (أوديسيوس، الهنود الحمر، السيد المسيح) لإعطاء القضية بعداً إنسانياً عالمياً، وآخر ملحمياً حين تحدث عن وطنه بلسان ضحية أخرى رافضاً التوقعات والإجابات القاطعة، فإذا كانت القصيدة الثورية التقليدية تنتهي بالنصر، فقصيدة الحداثة تنتهي بسؤال.
وتجدر الإشارة إلى أن مخاتلته لم تقتصر على المعنى فقط بل شملت اللغة أيضاً، إذ كان محمود درويش يستعمل كلمات بسيطة جداً: (خبز، قهوة، لوز، ياسمين، برتقال)، لكن يضعها في سياقات مخاتلة تغير معناها تماماً، رائحة القهوة ليست مجرد مشروب بل هي التمسك بالحياة وصناعة الذات وسط القصف، فقد حوّل اليوميّ البسيط إلى ثوري مقدّس بالمخاتلة.
بالمختصر: المخاتلة في الشعر الحداثي ليست مجرد (هروب) من المعنى، بل هي استراتيجية هجومية لإعادة بناء العلاقة بين الكلمة والشيء، هي التي تجعل اللغة تعمل بأقصى طاقتها من خلال مظاهر وآليات تمنح النص حياة سرية تتجاوز القراءة الأولى، وتجعل الشعر شعراً واللغة فنّاً، بدونها تتحول القصيدة إلى مجرد كلام، ومعها تصبح اللغة كياناً مراوغاً، عصيّاً على الترويض تماماً كالحقيقة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
