في خطوة غير مسبوقة، أعلنت PlayStation أنها ستتوقف عن إنتاج نسخ الألعاب الفيزيائية لجميع عناوينها اعتبارًا من يناير 2028. وبعد هذا التاريخ، لن تُباع ألعابها إلا بصيغة رقمية، سواء عبر متجر PlayStation Store أو من خلال متاجر التجزئة التي ستوفر أكواد التحميل بدلًا من الأقراص. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أكدت الشركة أيضًا أنها ستبدأ بإغلاق المتاجر الرقمية الخاصة بجهازي PS3 وPS Vita تدريجيًا في بعض المناطق خلال هذا العام، على أن يكتمل الإغلاق عالميًا قبل نهاية عام 2027. إعلان ثقيل الوطأة، خصوصًا أنه يأتي بالتزامن مع التخلي الكامل عن الوسائط الفيزيائية.
وترى سوني أن هذه الخطوة تعكس التغير الكبير في سلوك اللاعبين، إذ باتت الغالبية تعتمد على شراء الألعاب رقميًا، أو لم تعد ترى حاجة لامتلاك نسخة فيزيائية في عصر تهيمن فيه ألعاب الخدمة المستمرة (Live Service). ربما كان هذا التحول متوقعًا منذ سنوات، لكن ذلك لا يجعل تقبله أسهل. فنحن نعيش في زمن تتجه فيه الشركات شيئًا فشيئًا إلى سلب المستهلك حق الملكية الحقيقية، واستبداله بتراخيص استخدام معقدة تقلل من سيطرة اللاعب على ما يدفع ثمنه بأمواله.
مثل هذا النظام المغلق لا يؤدي إلا إلى جعل صناعة الألعاب أكثر تكلفة، وأكثر تقييدًا، وأكثر هشاشة أمام أي تغيير أو قرار قد يهدد استمراريتها. والأسوأ من ذلك هو شعور اللاعبين بالعجز؛ فحتى فكرة “التصويت بالمحفظة” تبدو بلا جدوى عندما تصبح الخيارات محدودة وتسيطر الشركات الكبرى على السوق.
عندما كان البث الرقمي يمثل المستقبل… قبل أن يتحول إلى المشكلة
عندما ظهرت خدمات مثل Netflix لأول مرة، بدت وكأنها ثورة حقيقية في مواجهة قنوات التلفاز التقليدية، مقدمة للمستهلكين طريقة أكثر حرية ومرونة لمشاهدة الأفلام والمسلسلات. لم يعد المشاهد مقيدًا بمواعيد العرض، كما حصل صناع المحتوى من مختلف أنحاء العالم على فرصة للوصول إلى جمهور أوسع من أي وقت مضى.
لكن مع دخول عشرات الشركات الكبرى إلى المنافسة، امتلأ السوق بالخدمات المتشابهة، وعادت أساليب تحقيق الأرباح القديمة إلى الواجهة، في محاولة لتعويض الاستثمارات الضخمة التي لم تحقق النتائج المرجوة.
واليوم نعيش واقعًا أصبحت فيه الوسائط الفيزيائية خيارًا متخصصًا يقتصر على فئة قليلة من الهواة، بينما يفضل معظم الناس الحل الرقمي الأسهل، سواء بدافع الراحة أو لتجنب عناء الذهاب إلى المتاجر. فلماذا يغادر الشخص منزله، إذا كان يستطيع دفع المبلغ نفسه والحصول على نسخة رقمية… حتى وإن كانت تجربة أقل قيمة من ناحية الملكية والاحتفاظ؟
هذه اللامبالاة الجماعية من المستهلكين، إلى جانب التشبع الهائل الذي فرضته الشركات الكبرى، أوصلتنا إلى مرحلة بات فيها من الصعب على الأعمال الأصلية أن تجد مكانًا لها، والأصعب من ذلك أن تلفت انتباه الجمهور. ومع ذلك، فإن سرعة تغير صناعة الألعاب تجعل مقارنتها بعالم البث الرقمي أمرًا ليس بهذه البساطة.

فالقطاع يواجه اليوم تحديات مشابهة؛ من أزمات التحول الرقمي، وتسريحات الموظفين، وإغلاق الاستوديوهات، إلى الميزانيات الضخمة غير المستدامة، وفترات التطوير الطويلة التي أصبحت تثقل كاهل ألعاب الفئة AAA. كل ذلك يضع الصناعة أمام واقع صعب، بينما لا تتردد الشركات في تحميل المستهلك النهائي جزءًا كبيرًا من تكلفة هذه التحولات.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن كثيرًا مما رفضه اللاعبون قبل أكثر من عقد أصبح اليوم أمرًا واقعًا. فعندما طُرح جهاز Xbox One لأول مرة، واجه انتقادات حادة بسبب اشتراطه اتصالًا دوريًا بالإنترنت كل 24 ساعة للتحقق من ملكية الألعاب، وهو ما أجبر Microsoft على التراجع سريعًا عن خططها. لكن الأفكار نفسها التي أثارت غضب اللاعبين آنذاك أصبحت اليوم جزءًا طبيعيًا من الصناعة، ويبدو أنها ستزداد رسوخًا بعد قرار سوني جعل الجيل القادم رقميًا بالكامل.
وإذا مضت PlayStation في هذا الاتجاه، فمن المرجح أن تسير Xbox على النهج ذاته، بينما يبقى السؤال الوحيد: إلى متى ستواصل Nintendo التمسك بالألعاب الفيزيائية قبل أن تستسلم هي الأخرى لهذا التحول؟
الوسائط الفيزيائية ليست مجرد حنين إلى الماضي

ارتباطي بالألعاب الفيزيائية يتجاوز مجرد الحنين؛ فهو يعود إلى أجمل ذكريات الطفولة. أتذكر ذلك الشعور الساحر عندما كنت أفتح هدية عيد الميلاد لأجد جهاز ألعاب مستعملًا تحيط به مجموعة من العلب المستطيلة، كل واحدة منها كانت بوابة إلى عالم لم أكن أتخيل وجوده. وحتى قبل تشغيل اللعبة، كنت أقضي وقتًا طويلًا أتأمل الغلاف، وأقلب صفحات كتيب التعليمات الذي كان يزرع في داخلي الحماس للمغامرة القادمة.
أما اليوم، فإذا كنت طفلًا نشأ في هذا العصر ولم يكن والداك من عشاق ألعاب الفيديو، فمن المرجح أنك لن تعيش تلك التجربة أبدًا. فأقصى ما ستحصل عليه هو بطاقة تحمل بضعة أرقام، تدخلها في المتجر الرقمي ليبدأ تحميل لعبة مثل GTA 6.
أدرك أن جيلًا كاملًا من اللاعبين نشأ مع ألعاب مثل Roblox وMinecraft، لكن ذلك يعود أيضًا إلى أن البدائل أصبحت أقل من أي وقت مضى، بينما ارتفعت أسعار الألعاب الجديدة إلى مستويات تجعلها بعيدة عن متناول الكثيرين.
لكن القضية بالنسبة لي لا تتعلق فقط باستعادة ذكريات الطفولة، بل بفكرة أعمق بكثير. فالألعاب الكلاسيكية التي كان يمكن أن تبقى محفوظة لعقود طويلة على الأقراص إذا جرى الاعتناء بها بالشكل الصحيح، أصبحت اليوم مجرد ترخيص مرتبط بحساب إلكتروني، يمكن أن تفقده أو يُسحب منك في أي لحظة، بينما يظل تحكمك الحقيقي بما اشتريته محدودًا للغاية.
الأسوأ أن الجيل الحالي من اللاعبين ينشأ وهو يعتبر هذا النموذج أمرًا طبيعيًا، خاصة في ظل طول فترات تطوير الألعاب وارتفاع أسعارها. لم يعد بإمكانك المرور على متجر الألعاب المحلي، والتجول بين الرفوف، ثم تصادف لعبة لم تسمع بها من قبل، لكنها تغير نظرتك إلى القصص والألعاب إلى الأبد. تلك اللحظات العفوية اختفت تقريبًا… وهذا ما يحزنني حقًا.

ربما تحول هذا المقال إلى حديث شخصي تغلب عليه العاطفة، لكن من المهم الاعتراف بأن سوني لم تتخذ هذا القرار من فراغ. فمن المؤكد أنها تمتلك بيانات وإحصاءات كافية تؤكد أن التخلي عن النسخ الفيزيائية سيكون قرارًا مربحًا. وهي تعلم أيضًا أن اللاعبين المتحمسين، ممن ما زالوا يقدرون قيمة الأقراص والعلب، سيعترضون بشدة. لكن بالنسبة للشركة، فإن الغالبية العظمى من المستخدمين الذين يشترون الألعاب رقميًا ويحققون معظم الإيرادات هم من يحددون الاتجاه.
وبصفتها الشركة المتصدرة للسوق، تستطيع سوني تحمل موجة الانتقادات والخروج منها بأقل الخسائر، لأن الصناعة نفسها أصبحت في جوهرها تعاني من اختلالات عميقة.
في النهاية، يبدو أن مستقبل الوسائط الفيزيائية سيبقى في أيدي المتاجر المتخصصة، والشركات التي ستختار مواصلة دعمها رغم كل شيء. فهذه الجهات تدرك أن امتلاك شيء ملموس بين يديك يختلف تمامًا عن امتلاك بيانات رقمية مرتبطة بترخيص قد يختفي في أي وقت.
صحيح أن ألعاب الفيديو أصبحت اليوم أكثر تطورًا وقدرة على تقديم تجارب مذهلة من أي وقت مضى، لكن نفوذ الرأسمالية سيواصل – على الأرجح – فرض أولوياته على حساب قيمة الفن وحق المستهلك، سواء أعجبنا ذلك أم لا.
وإذا كان تخلي PlayStation عن الألعاب الفيزيائية يعني أن أودع العلامة التجارية التي رافقتني طوال حياتي… فليكن.
كاتب
أعشق ألعاب الفيديو منذ أيام جهاز العائلة، و أفضل ألعاب المغامرات أمثال Tomb Raider و Assassins Creed (قبل التحول للـRPG)، ليس لدي تحيز لأي جهاز منزلي بالنسبة لي الأفضل هو الذي يقدم الألعاب الأكثر تميزاً. ما يهمني هو التجارب ذات السرد القصصي المشوق فالقصة هي أساس المتعة أكثر من الجيمبلاي.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة سعودي جيمر ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من سعودي جيمر ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
