* يتميز بصلابته وقدرته على التكيّف
* النبق ثمرته الحلوة وعسله أغلى الأنواع
مريم سلطان المزروعي
تشكّل شجرة السدر في الوجدان الإماراتي رمزاً راسخاً يجمع بين عمق الجذور وسموّ الفروع، فهي ليست مجرد كائن نباتي في الحيّز البيئي، بل علامة ثقافية، وذاكرة مكانية، ودلالة روحية تستقر في ضمير المجتمع المحلي.
ومن خلال استدعاء صورة السدرة التي كانت تتوسّط بيوت الطفولة، تتبدّى الشجرة بوصفها مركزاً للحياة اليومية، وملتقى للأهل، وملاذاً للظلّ والسكينة، فتغدو شاهداً على عمران مضى، وحنينٍ لا يمضي.
بيئياً، ينتمي السدر وينتشر في البيئات الرملية والحصوية والغرينية والوديان، متحمّلاً الملوحة والجفاف والرعي الجائر، في دلالة على صلابته وقدرته على التكيّف. وهو شجرٌ قد يبلغ اثني عشر متراً، دائم الخضرة وإن تساقطت أوراقه دورياً، عميق الجذور، غليظ الجذع، خشن اللحاء، تتشابك أغصانه بأشواك تحميه، كما تحمي الذاكرةُ رموزها. يزهر السدر مرتين في العام، وتُعدّ مواسم إزهاره بين سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني، ومارس/آذار ومايو/أيار، من أبرز مواسم العطاء. وثمار السدر، النبق، حلوة المذاق، تجذب الطير والحشرات، ويُستخرج من رحيقها عسلٌ يُعدّ من أغلى أنواع العسل وأجودها. كما تمثّل الأوراق مرعى للإبل والماشية، فيتحقق فيه معنى النفع الممتد، والظلّ المستدام.
وقد حظي السدر بإشارات قرآنية في سور «سبأ» و«الواقعة» و«النجم»، واقترن في المخيال الإسلامي بسدرة المنتهى، بما تحمله من أبعاد قدسية ورمزية سامية. وهكذا يتداخل النباتي بالروحي، والطبيعي بالمتخيَّل، فتغدو الشجرة جسراً بين الأرض والسماء، وبين الحسّ والمعنى. وفي الموروث الشعبي، يتردّد ذكر السدر في الأهازيج، كما في البيت الشعبي: «اتزخرفي يا سدرة البيت وتمايلي عود على عود»، حيث تتجسّد الشجرة أنثى متمايلة، وزينةً للمكان، وعلامة على بهجة الدار. كما استُخدمت أخشاب السدر في صناعة الأدوات التقليدية كالمنيور والطبول، وفي إشعال النار، ما يعكس حضورها في تفاصيل الحياة اليومية، من المأوى إلى الموسيقى، ومن البناء إلى الطقوس.
عنصر عمراني
عمرانياً، شكّلت جذوع السدر عنصراً أساسياً في تسقيف البيوت التقليدية، لا سيما في البيئات الجبلية حيث يُبنى «بيت القفل» من الحجر واللبن، وتُرصّ جذوع السدر أو السمر لتشكّل سقفاً متيناً، كما أُقيمت من جذوعها مظلات «المنامة» لتكون موضعاً للنوم في قيظ الصيف، فكان السدر مادة البناء، ومظلّة الراحة، وسند المعمار.
أسطورة
في الحكايات الشعبية، ارتبطت السدرة بأمكنة ذات طابع أسطوري، كما في قصة السدرة الضخمة قرب خورفكان، التي نُسجت حولها روايات عن بئرٍ عجيبة، وشيخٍ متعبّد، ورحيلٍ غامض، بما يعكس تداخل الشجرة بالرمز، والمكان بالأسطورة. كما حملت مواضع عديدة أسماء «السدرة» في ليوا والعين وأبوظبي، مثل سدرة عتّاب، وسدرة حفيف، وسدرة السوق، بما يؤكد حضورها في التسمية والهوية، وفي الجغرافيا والذاكرة. واحتلت شجرة السدر مكانة معتبرة في الطب الشعبي؛ فأوراقها تُغلى لعلاج آلام المعدة والإسهال والربو، ويُستعمل مسحوقها في تضميد الجراح وتنقية البشرة، ويُستخدم في معالجة الكسور والأورام، وفي تخفيف الحرارة، ما يجعله صيدلية خضراء، ودواءً منبتُه الأرض وفاعليته من التجربة.
رمز
ارتبط اسم «سيح السديرة» بلحظة مفصلية في مسار الاتحاد، حين شهد عام 1968 اللقاء التاريخي بين المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، والذي مهّد لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة. وهكذا تحوّلت السديرة من شجرة صغيرة تقاوم رعي الإبل، إلى رمزٍ لميلاد وطن، ومن ظلٍّ عابر إلى ظلال اتحادٍ دائم. وخلاصة القول إن السدر في الإمارات ليس شجرة فحسب، بل سيرة ظلٍّ وثمار، وحكاية أصلٍ وامتداد، شجرةٌ تجمع بين رسوخ الجذور ورفعة الفروع، بين منفعة الجسد وطمأنينة الروح، بين الواقع والأسطورة، وبين المكان والإنسان. إنها كائنٌ أخضر في الظاهر، عميقُ الدلالة في الباطن، يظلّ قائماً في الأرض، كما يظلّ قائماً في الذاكرة.
باحثة في التراث
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
